الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحسب منهج المفسر الذي سار عليها، ومدى علمه بالشعر واللغة. فكثر ذلك في بعضها، وقلَّ في بعضها الآخر.
ونظرًا للتأثر المتبادل بَيْن العُلماءِ المشتغلين بعلم واحد أو علوم متقاربة كعلوم اللغة والتفسير، فإن المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه الذين شملتهم هذه الدراسة وهم أبو عبيدة والفراء وابن قتيبة على وجه الخصوص كان لهم ريادة علمية في الجوانب التي صنَّفوا فيها مِمّا له صلة بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم. وقد تأثر بهم المفسرون الذين جاءوا بعدهم، وكان لأسمائهم والنقول عنهم ظهور واضح في كتب التفسير.
ولذا لا يُمكن الجزم بوجودِ فروقٍ بين منهج أصحاب كتب «معاني القرآن» و «غريب القرآن» من جهة، والمفسرين من جهة أخرى في الاستشهاد بالشعر وتوظيفه في التفسير، وإِنّما يُعَدُّ منهجُ المفسرين الذين شملهم البحث امتدادًا وتَهذيبًا لمنهج أصحاب معاني القرآن وغريبه. غير أنه يمكن الوقوف عند بعض السِّماتِ المميزة لتلك الكتب في الاستشهاد بالشعر، والتماس بعض الفروق من خلالها، ومن تلك السِّماتِ التي تَمكنتُ من ملاحظتِها ما يلي:
أولًا: التقدم الزمني لكتب الغريب والمعاني
.
سبق المصنفون في غريب القرآن، ومعاني القرآن المفسرين من حيث الزمن والتصنيف، وطبيعة بداية التصنيف في أي علم من العلوم يعتريها النقص، وتكثر التعقبات والملحوظات عليها حتى تكتمل هذه المناهج، وتستوي على سوقها.
ومن أوضح الأمثلة على هذا سَبْقُ أبي عبيدة في تصنيف كتابه «مجاز القرآن» ، ثم تلاه الأَخفشُ فصنَّف كتابه «معاني القرآن» ، وبعده الفراء في كتابه «معاني القرآن» ثم ابن قتيبة بعدهما. حيث بدأ هذا المنهج في الاستشهاد بالشعر في التفسير يتكامل، وتلقاه العلماء بالقبول،
فجاء المفسرون بعد ذلك وأبرزهم أبو جعفر الطبري ووجد أمامه عددًا من المصنفات في لغة القرآن ونحوه، وأهمها كتب أبي عبيدة، والأخفش، والفراء وابن قتيبة، فشرع في تصنيف تفسيره عام 283 هـ، وفرغ منه عام 290 هـ (1)، فاستطاع ابن جرير لسعة علمه بما قاله السلف في التفسير من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ثم معرفته الواسعة باللغة، وجَمعهِ ما قاله قبله هؤلاء العلماء في مصنفاتهم، أن يتخذ لنفسه منهجًا متكاملًا في التفسير، أصبح سِمَةً بارزةً بعده، جَمَعَ فيه بين أقوال السلف في التفسير، والاحتجاج لها بلغة العرب وشعرها، وإعماله لرأيه الخاص في هذه الثروة العلمية التفسيرية بطريقة منهجية منظمة، فاستحق بذلك أن يكون شيخ المفسرين، ولذلك وصف تفسيره بأنه أجل التفاسير وأعظمها (2)، وقيل عنه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا. (3) وتتبع السيوطي كتب التفسير حتى وصل إلى الطبري فجعله طبقةً وحده، ثم قال:«فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يُعوِّلَ عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المُعتَبَرون أَنَّهُ لم يؤلف في التفسير مثله» . (4)
وجاء بعده الزمخشري فبدأ في تفسيره عام 526 هـ وفرغ منه عام 528 هـ (5)، وصنف ابن عطية تفسيره عام 540 هـ، وصنف القرطبي تفسيره قبل عام 670 هـ.
وهذا السبق في التصنيف ليس منهجًا وإنما هو عُذْرٌ وربما سبب في المبالغة في التعويل على الشاهد الشعري عند المتقدمين كما فعل أبو
(1) انظر: معجم الأدباء 18/ 42.
(2)
انظر: الإتقان في علوم القرآن 4/ 242.
(3)
انظر: تاريخ بغداد 2/ 163.
(4)
الإتقان في علوم القرآن 4/ 244.
(5)
انظر: الكشاف 1/ 3، 2/ 570.