الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالجواب: أنهم قد ذكروا أيضاً في الوعد لأنه سبحانه يقول: {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} ثم قال: {ولكل درجات مما عملوا} وإنما أراد لكل من الإنس والجن فقد ذكروا في الوعد مع الإنس.
فإن قيل: فقد ذكر يخاطب الجن والإنس في النار لأن الله تعالى قال: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق} إلى قوله {ولوموا أنفسكم} {قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد} ولم يأت عن تفاوض الفريقين في الجنة خبر، قيل: إنما ذكر من تفاوضهم في النار أن الواحد من الإنس يقول للشيطان الذي كان قرينه في الدينا إنه أطغاني وأضلني فيقول له قرينه: ربنا ما أطغيته ولكنه كان ضالاً بنفسه ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة فيهما إلى التفاوض فلذلك سكت عنهما، وأيضاً فإن الله تعالى أخبر الناس أن عصاتهم يكونون قرناء الشياطين يتخاصمون في النار ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان، وهذا المعنى مقصود في الأخبار، فلهذا سكت عن ذلك في الوعد به.
باب القصاص يوم القيامة ممن استطال في حقوق الناس وفي حسبه لهم حتى ينصفوا منه
مسلم «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتؤدن الحقوق إلى
أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» .
البخاري عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون ديناراً ولا درهم.
إن كان له عمل صالح أخذه منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» .
مسلم «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع.
قال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شئتم هذا وقذف هذا وأكل هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» .
الحارث بن أبي أسامة، «وعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله العباد أو قال الناس ـ شك ـ وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلاً بهما، قال: ما بهما؟ قال: ليس معهم
شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وواحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار وواحد من أهل الجنة يطلبه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة حفاة، قال بالحسنات والسيئات» .
قال الشيخ المؤلف رحمه الله: هذا الحديث الذي أراد البخاري بقوله، ورحل جابر عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد.
سفيان بن عيينة، عن مسعر عن عمرو بن مرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني الربيع بن خيثم وكان من معادن الصدق قال: إن أهل الدين في الآخرة أشد تقاضياً له منكم في الدنيا يحبس لهم فيأخذونه، فيقول: يا رب ألست تراني حافياً؟ فيقول: خذوا من حسناته بقدر الذي لهم فإن لم يكن له حسنات يقول: زيدوا على سيئاته من سيئاتهم، وذكر أبو عمر بن عبد البر من «حديث البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صاحب الدين مأسور يوم القيامة بالدين» .
وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده عن زاذان أبي عمر قال: دخلت على
ابن مسعود فوجدت أصحاب الخز واليمنة قد سبقوني إلى المجلس، فقلت يا عبد الله من أجل أبي رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني، قال: ادن فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأمة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة بأن يدون لها الحق على ابنها أو أختها أو أبيها أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} ، فيقول الرب تعالى للعبد: ائت هؤلاء حقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان ولياً لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل من خبر ضاعفها حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة رب فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول للملائكة: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكوا له صكاً إلى النار.
وعنه، «عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه ليكون للوالدين على ولدهما دين، فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به، فيقول أنا ولدكما فيودان أو يتمنيان لو كان أكثر من ذلك» .
وروى رزين عن أبي هريرة قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة هو لا يعرفه فيقول: مالك إلي وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطايا وعلى المنكر ولا تنهاني.
وقال ابن مسعود: تفرح المرأة يوم القيامة أن يكون لها حق وعلى أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها أو أختها {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} .
ابن ماجه «عن جابر رضي الله عنه قال: لما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر قال: ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله بينما نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائزها تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كفيه ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً.
قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت صدقت كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم» .
فصل: أنكر بعض المتغفلة الذين اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله إعجاباً
برأيهم وتحكماً على كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعقول ضعيفة وأفهام سخيفة، فقالوا: لا يجوز في حكم الله تعالى وعدله أن يضع سيئات من اكتسبها على من لم يكتسبها ويؤخذ حسنات من عملها فتعطى من لم يعملها، وهذا زعموا جوراً وأولوا قول الله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فكيف تصح هذه الأحاديث وهي تخالف ظاهر القرآن وتستحيل في العقل؟ .
والجواب: أن الله سبحانه وتعالى لم يبن أمور الدين على عقول العباد، ولم يعد ولم يوعد على ما تحملته عقولهم ويدركونها بأفهامهم، بل وعدوا وعداً بمشيئته وإرادته وأمر ونهي بحكمته، ولو كان كلما لا تدركه العقول مردوداً لكان أكثر الشرائع مستحيلاً على موضوع عقول العباد، وذلك أن الله تعالى أوجب بخروج المني الذي هو طاهر عند بعض الصحابة وكثير من الأئمة، وأوجب غسل الأطراف من الغائط الذي لا خلاف بين الأئمة وسائر من يقول بالعقل وغيره في نجاسته وقذارته ونتنه، وأوجب بريح يخرج من موضع الحدث ما أوجب بخروج الغائط الكثير المتفاحش، فبأي عقل يستقيم هذا وبأي رأي تجب مسواة ريح ليس لها عين قائمة بما يقوم عينه وتزيد على الريح نتناً وقذراً، قد أوجب الله قطع يمين مؤمن بعشرة دراهم، وعند بعض الفقهاء بثلاثة دراهم ودون ذلك، ثم سوى بين هذا القدر من المال وبين مائة ألف دينار، فيكون القطع فيهما سواء، وأعطى الأم
من ولدها الثلث، ثم إن كان للمتوفى إخوة جعل لها السدس من غير أن ترث الإخوة من ذلك شيئاً.
فبأي عقل يدرك هذا إلا تسليماً وانقياداً من صاحب الشرع إلى غير ذلك فكذلك القصاص بالحسنات والسيئات، وقد قال وقوله الحق:{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس} الآية.
وقال: {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} وقال: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} وهذا يبين قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى إذا لم تتعد، فإذا تعدت واستطالت بغير ما أمرت فإنها تحمل عليها ويؤخذ منها بغير اختيارها، كما تقدم في أسماء القيامة عند قوله تعالى {واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} .
فصل: وإذا تقرر هذا، فيجب على كل مسلم البدار إلى محاسبة نفسه، كما قال عمرو رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحاً ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله عز وجل، ويرد المظالم إلى أهلها حبة حبة، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسطوته بقلبه، ويطيب قلوبهم حتى يموت، ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل الجنة بغير حساب،
فإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه، فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بلبته، وهذا يقول ظلمتني، وهذا يقول شتمتني، وهذا يقول استهزأت بي، وهذا يقول ذكرتني في الغيبة بما يسوءني وهذا يقول جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول عاملتني فغششتني، وهذا يقول بايعتني وأخفيت عني عيب متاعك، وهذا يقول كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول رأيتني محتاجاً وكنت غنياً فما أطعمتني، وهذا يقول وجدتني مظلوماً وكنت قادراً على دفع الظلم فداهنت الظلم وما راعيتني، فبينما أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخاليبهم واحكموا في تلابيبك أيديهم وأنت مبهوت متحير من كثرتهم حتى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته في مجلس إلا وقد استحق عليك مظلمة بغيبة أو جناية أو نظر بعين استحقار، وقد ضعفت عن مقاومتهم ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يخلصك من أيديهم إذ قرع سمعك نداء الجبار {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة، وتوقن نفسك بالبوار، وتتذكر ما أنذرك الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال:{ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} إلى قوله {لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء} .
فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم، وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل، وشوفهت بخطاب السيئات، وأنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على
أن ترد حقاً أو تظهر عذراً، فعند ذلك تؤخذ حسناتك التي تعبت فيها عمرك وتنقل إلى أخصامك عوضاً عن حقوقهم، كما ورد في الأحاديث المذكورة في هذا الباب.
فانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم إذ ليس لك حسنة قد سلمت من آفات الرياء ومكائد الشيطان، فإن سلمت حسنة واحدة في مدة طويلة ابتدرها خصماؤك وأخذوها.
ويقال: لو أن رجلاً له ثواب سبعين نبياً وله خصم بنصف دانق لم يدخل الجنة حتى يرضي خصمه، وقيل: يؤخذ بدانق قسط سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم.
ذكره القشيري في التحبير له عند اسمه المقسط الجامع.
قال أبو حامد: ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل، لعلمت أنه لا يمضي عليك يوم إلا ويجري على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفي جميع حسناتك، فكيف ببقية السيئات من أكل الحرام والشهوات والتقصير في الطاعات؟ وكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتص فيه للجماء من القرناء؟ {ويقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا} فكيف بك يا مسكين في يوم ترى فيه صحيفتك خالية من حسنات طال فيها تعبك؟ فتقول: أين حسناتي؟ فيقال: نقلت إلى صحيفة خصمائك، وترى صحيفتك مشحونة بسيئات غيرك.
فتقول يا رب هذه سيئات ما قارفتها قط.
فيقال: هذه سيئات الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء وظلمتهم في المعاملة والمبايعة والمجاورة والمخاطبة والمناظرة والمذاكرة
والمدارسة وسائر أصناف المعاملة، فاتق الله في مظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وأبشارهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم، فإن ما بين العبد وبين الله خاصة المغفرة إليه أسرع، ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحال أرباب المظالم من حيث لا يطلع عليه إلا الله فليكثر من الاستغفار لمن ظلمه، فعساه أن يقربه ذلك إلى الله فينال به لطفه الذي ادخره لأرباب المؤمنين في دفع مظالم العباد عنهم بإرضائه إياهم على ما يأتي بيانه في باب إرضاء الخصوم بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فصل: قوله في الحديث: فيناديهم بصوت استدل به مكن قال بالحرف والصوت.
وأن الله يتكلم بذلك تعالى الله عما يقوله المجسمون والجاحدون علوا كبيراً، وإنما يحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر أن يقول القائل نادى الأمير وبلغني نداء الأمير كما قال تعالى:{ونادى فرعون في قومه} وإنما المراد نادى المنادي عن أمره وأصدر نداءه
عن إذنه، وهو كقولهم أيضاً: قتل الأمير فلاناً، وضرب فلاناً، وليس المراد توليه لهذه الأفعال وتصديه لهذه الأعمال، ولكن المقصود صدورها عن أمره، وقد ورد في صحيح الأحاديث أن الملائكة ينادون على رؤوس الأشهاد فيخاطبون أهل التقى والرشاد: ألا إن فلان ابن فلان كما تقدم.
ومثله ما جاء في حديث التنزيل مفسراً فيما أخرجه النسائي «عن أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟» صححه أبو محمد عبد الحق، وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء، فهذا التأويل فيه وأن ذلك من باب حذف المضاف.
والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام الله تعالى على ما هو مذكور في كتاب الديانات.
فإن قال بعض الأغبياء: لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه فإن فيه [أنا الديان] وليس يصدر هذا الكلام حقاً وصدقاً إلا من رب العالمين.
قيل له: إن الملك إذا كان يقول عن الله تعالى وينبئ عنه فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين.
والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى {إني أنا الله} فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودال عليه بأصواته، وهذا بين، وقد أتينا
عليه في الصفات من كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا.
فصل: واختلف االناس في حشر البهائم وفي قصاص بعضها من بعض، فروي عن ابن عباس أن حشر الدواب والطير موتها، وقال الضحاك:
وروي عن ابن عباس في رواية أخرى: أن البهائم تحشر وتبعث قال أبو ذر، وأبو هريرة، وعمرو بن العاص، والحسن البصري وغيرهم وهو الصحيح لقوله تعالى:{وإذا الوحوش حشرت} وقوله {ثم إلى ربهم يحشرون} ، قال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والطير والدواب وكل شيء فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} ونحوه عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وفي الخبر: إن البهائم إذا صارت تراباً يوم القيامة حول ذلك التراب في وجوه الكفار، فذلك قوله تعالى {وجوه يومئذ عليها غبرة} أي غبار وقالت طائفة: الحشر في قوله تعالى {ثم إلى ربهم يحشرون} راجع الكفار.
وما تخلل من قوله تعالى {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء} كلام معترض وإقامة حجج، وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه وأنه لا
محيص لمخلوق عنه، وعضدوا ذلك بما روي في غير الصحيح عن بعض رواياته من الزيادة، فقال: حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، وللحجر لما ركب الحجر، والعود لما خدش العود.
قالوا فظهر من هذا أن المقصود التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل، لأن الجمادات لا تعقل خطابها ولا عقابها وثوابها ولم يصر إليه أحد من العقلاء ومتخيلة من جملة المعتوهين الأغبياء.
أجاب بعض من قال إنها تحشر وتبعث بأن قال إن من الحكمة الإلهية أن لا يجري أمر من أمور الدنيا والآخرة إلا على سنة مسنونة وحكمة موزونة.
ومن قال هنا بما قالته طائفة من المتوسمة بالعلم المتسمة بالفقه والفهم على الزعم أن الجامد لا يفقه والحيوان غير الإنسان لا يعقل، وإنما هو منزل في الحيوان ولسان حال في الجامد والنامي، وقال إن الله تعالى
يقول في الضالين المكذبين {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً} ولو كان عندها عقل أو فهم ما نزل بالكافر الفاسق إلى درجتها في موضع التنقيص والتقصير، والله سبحانه قد وصفه بالموت والصمم في موضع التبصير والتذكير، فقال:{ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} وقال {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي} {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} .
قيل له: ليس الأمر كما ذكرت ولا الحق على شيء مما زعمت، وأنه ليس عليك من حيث الزعم ورؤية النفس في درجة العلم أبداً من الآية التي وقفت فيها إلى التي قبلها إن شئت، فارجع بصرك في الذي رأيت تجده قد وصفهم عز وجل بالموت والصمم، كما وصفهم بالعمى والبكم وليسوا في الحقيقة الظاهرة بموتى ولا صم ولا بعميان ولا بكم، وإنما هم أموات بالعقول والأذهان عن صفة الإيمان وحياة دار الحيوان.
صم عن كلمة الأحياء، عمى عن النظر في مرآة وجوه الأخلاء، كذلك وصف الأنعام بضلال وليست في الحقيقة بضلال من حيث شرعتها وحكمتها، إنما ذلك من حيث قد كنا وافقنا فكيف يكون ذلك والله تعالى يقول {وما من دابة في الأرض} إلى قوله {يحشرون} فوربك لنحشرهم جماً غفيراً ولنحاسبن حساباً يسيراً، ولو كان من عند غير الله ولوجدوا فيه اختلافاً كثيراً وأنه تعالى لا يسأل إلا عاقلاً ولا يحاسب إلا مفضولاً وضلاً.
وإنما جعل لكل موجود من موجوداته في
أشتات الخلائق وأجناس العوالم دار دنيا ودار أخرى، وجعل لها أفلاكاً وآفاقاً وظلماً وأضواء، فكل في فلكه، وأفقه بليله ونهاره وسمعه وبصره وعلمه وفهمه، وحاكم من عقله أو جهله، وقائم بنحلته وحكمته وسنته وشرعته، فأدنى وأعلى من الروحانية الأقصى إلى الجمادية الأقسى، فالملائكة الروحانية في مصافها ترانا من حيث لا نرى وتعلم منا أكثر مما نعلم، وإنها لتشاهد من نقصنا وقلة عقلنا في الموضع الذي يجب العلم به وإعمال العقل فيه ما تحكم به علينا أكثر مما نحكم به على الأنعام من قلة العقل وتحقيق المعرفة، فمن نظر إلى الأنعام وجدها من حيث نحن لا من حيث فلكها وأفقها لا تسمع ولا تعقل إلا ميزاً ما قدر ما تتسخر به وتتذلل طبعاً، فتلقن المراد منها من هذا الفن خاصة لا غير وأما ما نحن بسبيله من تصرفات وتعملات فليس لها ذلك من حيث الفلكية التي أحازتها عنا والأفقية التي اقتطعتها منا، فهي في طرقاتنا ضلال وبتعملاتنا وأحوال تصرفاتنا جهال، وأما من حيث شرعتها وباطن رؤيتها فعارفة عقال.
«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الجمل القضم الذي ند وامتنع بحائط بني النجار وغلب الخلق عن أخذه والوصول إليه حتى جاء صلى الله عليه وسلم، فلما مشي إليه ورآه الجمل برك لديه وجعل يمر بمشفره على الأرض بين يديه تذللاً وتسخيراً فقال صلى الله عليه وسلم هات الخطام فلما خطمه ورأى
الناس يعجبون منه رد رأسه إليهم فقال ألا تعجبون أو كما قال إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله غير عاصي الجن والإنس» وثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ما دابة إلا وهي مصيخة بأذنها يوم الجمعة تنتظر قيام الساعة» وقال صلى الله عليه وسلم «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» .
قال المؤلف رحمه الله: خرجه مالك في موطئه وابن ماجه في سننه واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري، وقد تقدم أن الميت يسمع صوته كل شيء إلا الإنسان وفي رواية إلا الثقلين.
والأخبار في هذا المعنى كثيرة قد أتينا على جملة منها في هذا الكتاب، فكل حيوان وجماد محشور لما عنده من الإدراك والمشاهدة والحضور من حيث هي لا من حيث نحن.
قال الله تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} وقال {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} وقال عز من قائل: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب}
لا يقال إن هذا السجود والتسبيح لسان حال ليس بلسان المقال، فإنا نقول هذا مجاز والله سبحانه يقص الحق كما أخبر في كتابه إن الحكم إلا الله يقص الحق.
ومن نظر بنور الله جاز العين إلى المعنى وحل الرمز وفك المعمى وهم إنما نظروا من حيث هم ومن حيث العقل البشري ولم ينظروا الحياة الفلكية من حيث هي فغابوا عن الحضور وجمدوا على القصور ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
قلت: هذا كله صحيح لحديث أبي سعيد الخدري المذكور وهو صحيح، وكذلك حديث أبي هريرة في شهادة الأرض بما عمل عليها.
وهو صحيح وكذلك حديث أبي سعيد الخدري في شهادة المال صحيح وسيأتي.
وقد روى ليث ابن أبي سليم «عن عبد الرحمن بن مروان، عن الهزيل، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بشاتين تنتطحان فقال: إن الله تعالى ليقضين يوم القيامة لههذ الجلحاء من هذه القرناء» .
وذكر ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة أن أبا سالم الجيشاني حدثه أن ثابت بن طريف استأذن على أبي ذر فسمعه رافعاً صوته يقول: أما والله لولا يوم الخصومة لسؤتك.
قال ثابت: فدخلت فقلت ما شأنك يا أبا ذر؟ قال: هذه قلت وما عليك إن رأيتك تضربها قال [والذين نفسي بيده أو نفس محمد بيده لتسئلن الشاة فيما نطحت صاحبتها وليسئلن الجماد فيما نكب أصبع الرجل] .
وروي عن شعبة، «عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عن أبي ذر قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر أتدري فيم تنتطحان؟ قلت: لا يا رسول الله قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما يوم القيامة» أخرجه أبو داود الطيالسي فقال، حدثنا شعبة قال: أخبرني الأعمش، قال سمعت منذر الثوري يحدث عن أصحاب له عن أبي ذر بلفظه ومعناه، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الجن والإنس والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء تنتطحها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها كوني تراباً فيراها الكافر فيقول يا ليتني كنت تراباً] .
وذكر عبد الكريم الإمام أبو القاسم القشيري في التحبير له
فقال: وفي خبر الوحوش والبهائم تحشر يوم القيامة فتسجد لله سجدة فتقول الملائكة ليس هذا يوم سجود هذا يوم الثواب والعقاب وتقول البهائم هذا سجود شكر حيث لم يجعلنا الله من بني آدم ويقال أن الملائكة تقول للبهائم: لم يحشركم الله جل ثناؤه لثواب ولا لعقاب وإنما يحشركم تشهدون فضائح بني آدم.
ذكره القشيري في اسمه المقسط الجامع، وهذا قول ثابت فتأمله.
فصل: ظن بعض العلماء أن الصيام مختص بعامله موفراً له أجره ولا يؤخذ منه شيء لمظلمة ظلمها متمسكاً بقوله تعالى «الصيام لي وأنا أجزي به»
وأحاديث هذا الباب ترد قوله، وأن الحقوق تؤخذ من سائر الأعمال صياماً كان أو غيره وقيل: إن النوم إذا لم يكن معلوماً لأحد ولا مكتوباً في الصحف هو الذي يستره الله ويخبؤه عليه، حتى يكون له جنة من العذاب، فيطرحون أولئك عليه سيئاتهم فيذهب عنهم ويقيه الصوم فلا يضر أصحابها لزوالها عنهم ولا له لأن الصوم جنته.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: وهو تأويل حسن إن شاء تعالى ولا تعارض والحمد لله.