الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أيها المقبور في حفرته، المتخلى في القبر بوحدته، المستأنس في بطن الأرض بأعماله، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أحوالك اغتبطت، ثم يبكي حتى يبل عمامته، ويقول: استبشر ـ والله ـ بأعماله الصالحة، واغتبط ـ والله ـ بإخوانه المعاونين له على طاعة الله، وكان إذا نظر إلى القبر صرخ كما يصرخ الثور.
وسيأتي أن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، وما فيه من الموعظة إن شاء الله تعالى.
باب ما جاء في اختيار البقعة للدفن
وخرجه الدارقطني «عن حاطب.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من زارني بعد موتي فكأنما زارني حياً في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين، بعث من الآمنين يوم القيامة» .
وخرج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاء صكه ففقأ عينه.
فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إليه، وقل له: يضه يده على متن جلد ثور، فله بما غطت يده كل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن.
فسأل الله أن يدينه من الأرض المقدسة رمية حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» .
وفي رواية، قال: جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عين الملك ففقأها، وذكر نحوه.
قال الترمذي، «عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن مات بها» صححه أبو محمد عبد الحق.
وفي الموطأ أن عمر رضي الله عنه، كان يقول: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ووفاة في بلد نبيك.
وكان سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فيدفنا بها، والله أعلم لفضل علموه هناك، قال: فإن فضل المدينة غير منكور ولا مجهول، ولو لم يكن إلا مجاورة الصالحين والفضلاء من الشهداء وغيرها لكفى.
وروى عن كعب الأحبار أنه قال لبعض أهل مصر، لما قال له: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم، جراب من تراب سفح المقطم، يعني: جبل مصر، قال: فقلت له: يرحمك الله، وما تريد منه؟ قال: أضعه في قبري، قال له: تقول هذا وأنت بالمدينة وقد قيل في البقيع ما قيل، قال: إنا نجد في الكتاب الأول أنه مقدس ما بين القصير إلى اليحموم..
فصل: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: البقاع لا تقدس أحداً ولا تطهره، وإنما الذي يقدسه من وضر الذنوب ودنسها التوبة النصوح مع
الأعمال الصالحة، أما إنه قد يتعلق بالبقعة تقديس ما، وهو إذا عمل العبد فيها عملاً صالحاً ضوعف له بشرف البقعة مضاعفة تكفر سيئاته، وترجح ميزانه، وتدخله الجنة، وكذلك تقديسه إذا مات على معنى التتبع لصالح، لا أنها توجب التقديس ابتداء.
وقد روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ما أحب أن أدفن بالبقيع، لأن أدفن في غيره أحب إلي.
ثم بين العلة، فقال: مخافة أن تنبش لي عظام رجل صالح، أو نجاور فاجراً، وهذا تستوي فيه سائر البقاع، فدل على أن الدفن بالأرض المقدسة ليس بالمجمع عليه، وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته وإخوانه وجيرانه، لا لفضل ولا لدرجة.
فصل: إن قال قائل: كيف جاز لموسى عليه السلام أن يقدم على ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه؟ فالجواب من وجوه ستة:
الأول: أنها كانت عيناً متخيلة، لا حقيقة لها، وهذا القول باطل.
لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء.
من صور الملائكة لا حقيقة لها، وهذا مذهب السالمية.
الثاني: أنها كانت عيناً معنوية فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة له.
الثالث: أنه لم يعرفه، وظنه رجلاً دخل منزله بغير إذنه، يريد نفسه فدافع عنها، فلطمه: ففقأ عينه، وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن، وهذا وجه حسن، لأنه حقيقة في العين والصك، قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة إلا أنه اعترض بما في الحديث نفسه، وهو أن ملك الموت عليه السلام لما رجع إلى الله تعالى، قال: يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فلو لم يعرفه موسى لما صدر هذا القول من ملك الموت.
الرابع: أن موسى عليه السلام كان سريع الغضب، وسرعة غضبه كانت سبباً لصكه ملك الموت، قاله ابن العربي في الأحكام، وهذا فاسد، لأن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب.
الخامس: ما قاله ابن مهدي رحمه الله: أن عينه المستعارة ذهبت لأجل أنه جعل له أن يتصور بما شاء، فكأن موسى عليه السلام لطمه وهو متصور بصورة غيره بدلالة أنه رأى بعد ذلك معه عينه.
السادس: وهو أصحها إن شاء الله، وذلك أن موسى عليه السلام كان عنده ما أخبر تبيناً عليه السلام من أن الله تعالى لا يقبض روحه حتى يخيره ـ خرجه البخاري وغيره ـ فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه.
فلطمت ففقئت عينه امتحاناً لملك الموت.
إذ لم يصرح له بالتخير، ومما يدل على صحة هذا: أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت.
اختار الموت واستسلم، والله بغيبه أعلم وأحكم، وذكره ابن العربي في قبسه بمعناه والحمد لله.
وقد ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول حديث «أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم