الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار وإذا أمسى ينادي: أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أيا هريرة أحد إلا تعوذ بالله من النار وقد قيل: إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم في حواصل طير سود.
والغداة والعشي إنما هو بالنسبة إلينا على ما اعتدناه لا لهم إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح فإن قيل.
فقد قال الله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشياً} قلنا: الجواب عنهما واحد وسيأتي له مزيد بيان في وصف الجنان إن شاء الله تعالى.
باب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم
يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث «ابن عمر: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» وهذه حالة مختصة بغير الشهداء.
وفي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} فقال: [أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟
ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا] .
فصل: قلت: وهنا اعتراضات خمسة:
الأول: إن قيل: ما قولكم في الحديث الذي ذكرتم «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام» ؟ قلنا: هو عموم يخصصه ما ذكرناه، فهو محمول على غير الشهداء.
الثاني: فإن قيل: فقد روى مالك «عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» ؟ قلنا: قال أهل اللغة تعلق بضم اللام تأكل.
يقال علقت تعلق علوقاً.
ويروى يعلق بفتح اللام وهو الأكثر ومعناه: تسرح وهذه
حالة الشهداء لا غيرهم بدليل الحديث المتقدم.
وقوله تعالى: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} ولا يرزق إلا حي فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل الله بإجماع من الأمة.
حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين، وغير الشهيد بخلاف هذا الوصف إنما يملأ عليه قبره خضراً ويفسح له فيه.
وقوله: نسمة المؤمن.
أي روح المؤمن الشهيد.
يدل عليه قوله في نفس الحديث «حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يبعثه» .
الثالث: فإن قيل: فقد جاء أنه الأرواح تتلاقى في السماء والجنة في السماء يدل على قوله عليه السلام: «إذا دخل رمصان فتحت أبواب السماء» وفي رواية أبواب الجنة؟ قلنا: لا يلزم من تلاقي الأرواح في السماء أن يكون تلاقيها في الجنة، بل أرواح المؤمنين غير الشهداء تارة تكون في الأرض على أفنية القبور، وتارة في السماء لا في الجنة.
وقد قل إنها تزور قبورها كل يوم جمعة على الدوام، ولذلك تستحي زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة وبكرة السبت فيما ذكر العلماء.
والله أعلم.
قال ابن العربي: وبحديث الجرائد يستدل الناس على أن الأرواح في القبور تعذب أو تنعم، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر في الصحيح «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي» لأن عرض مقعده ليس فيه بيان عن موضعه الذي يراه منه، وحديث الجرائد نص على أن أولئك يعذبون في قبورهم.
وكذلك حديث اليهود.
قلت: ويحتمل على ما ذكرناه والله أعلم: أن يكون قوله عليه السلام: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا وروحه في قبره إلا عرفه ورد عليه السلام» حتى لا تتناقض الأخبار.
والله أعلم.
الرابع: فإن قيل فقد قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضي عنه» .
وهذا يدل على أن ببعض الشهداء لا يدخلون الجنة، من حين القتل ولا تكون أرواحهم في جوف طير، ولا تكون في قبورهم فأين تكون؟ قلنا: قد خرج ابن وهب بإسناده «عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الشهداء على بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً» فلعلهم هؤلاء أو من منعه من دخول الجنة حقوق
الآدميين إذ الدين ليس مختصاً بالمال على ما يأتي.
ولهذا قال علماؤنا أحوال الشهداء طبقات مختلفة ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون، وقد تقدم قوله عليه السلام:«من مات مريضاً مات شهيداً وغدى وريح برزقه من الجنة» وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال وسيأتي: كم الشهداء؟ إن شاء الله تعالى.
الخامس: فإن قيل: فقد روي ابن ماجه «عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لشهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله عز وجل، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا لدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها والدين؟» قلنا: الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله تعالى لا يحيسه عن الجنة إن شاء الله شهيداً كان أو غيره، لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه دينه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك
ديناً أو ضياعاً فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالاً فلورثته فإن لم يؤد عنه السلطان فإن الله تعالى يقضي عنه ويرضى خصمه» .
والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه في سننه «عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدين يقتص أو مقتص من صاحبه يوم القيامة إذا مات إلا من تدين في ثلاث خلال: الرجل تضعف قوته في سبيل الله فيستدين ليتقوى به لعدو الله وعدوه، ورجل يموت عنده رجل مسلم لا يجد ما يكفنه فيه ويواريه إلا بدين، ورجل خاف على نفسه العزبة فينكح خشية على دينه.
فإن الله يقضي عن هؤلاء يوم القيامة» ، وأما من دان في سفه أو سرف فمات ولم يوفه أو ترك له وفاء ولم يوص به أو قدر على الأداء فلم يوفه، فهذا الذي يجس به صاحبه عن الجنة حتى يقع القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي فيحتمل أن يكون قوله عليه السلام في شهيد البحر عاماً في الجميع وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين
ويحتمل أن يكون قوله فيمن أدان ولم يفرط في الأداء وكان عزمه ونيته الأداء لا إتلاف المال على صاحبه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه.
ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» خرجه البخاري.
على أن حديث أبي أمامة في إسناده لين، وأعلى منه إسناداً وأقوى ما رواه مسلم «عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين» ولم يخص براً من بحر.
وخرج أبو نعيم الحافظ بإسناده «عن قاضي البصريين شريح عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول يا ابن آدم فيم أضعت حقوق الآدميين؟ فيم أذهبت
أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقاً أو حرقاً فيقول الله عز وجل: أنا أحق من قضى عنك اليوم فترجح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة» .
رواه من طرق.
وقال يزيد بن هارون في حديثه [فيدعو الله تعالى بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل] .
غريب من حديث شريح تفرد به صدقة بن أبي موسى عن أبي عمران الجوني.
قلت: هذا نص في قضاء الله سبحانه الدين إذا لم يؤخذ على سبيل الفساد والحمد لله الموفق للسداد، والمبين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ما أبهم واستغلق من مشكل على العباد، وقد قال بعض العلماء: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى وإنما قيل لها: المأوى لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها، ويتنسمون من طيب ريحها، وهي تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش.
وما ذكرناه أولاً أصح والله أعلم.
وقد روى ابن المبارك: أخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان
قال: حدث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أرواح المؤمنين في طير كحالزرازير يتعارفون، يرزقون من الجنة.
أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني يززيد بن أبي حبيب أن منصور بن أبي منصور، حدثه قال سألت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقلت أخبرني عن أرواح المسلمين أين هي حين يتوفون؟ قال: ما تقولون أنتم يا أهل العراق؟ قلت: لا أدري.
قال: فإنها صور طير بيض فيظل العرش وأرواح الكافرين في الأرض السابعة.
وذكر الحديث.
قلت: فهذه حجة من قال: إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة والله أعلم.
على أنه يحتمل أن يدخله من التأويل ما تقدم والله أعلم فيكون بالمعنى: أرواح المؤمنين الشهداء وكذا فقلت: أخبرني عن أرواح المؤمنين الشهداء.
والله أعلم.
وروى ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد أنه سمعه ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن أرواح الشهداء تجول في طير خضر.
فصل: وقع في حديث ابن مسعود: «أرواحهم في جوف طير خضر» وفي حديث مالك: «نسمة المؤمن طائر» وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة قال: سئل عبد الله بن مسعود عن أرواح الشهداء؟ فقال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحتة العرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها.
وذكر الحديث.
وروى ابن شهاب «عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرواح الشهداء طير خضر تعلق في شجر الجنة» وهذا كله مطابق لحديث مالك فهو أصح من رواية من روى أن أرواحهم في جوف طير خضر.
قاله أبو عمر في الاستذكار.
وقال أبو الحسن القابسي: أنكر العلماء قول من قال في حواصل طير لأنها رواية غير صحيحة، لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها.
قلت: الرواية صحيحة لأنها في صحيح مسلم بنقل العدل عن العدل فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على فيكون المعنى أرواحهم على جوف طير خضر كما قال تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي على جذوع النخل وجائز أن يسمى الظهر: جوفاً: إذا هو محيط به ومشتمل عليه.
قال أبو محمد عبد الحق: وهو حسن جداً.
وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح المنعم على