الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال بقية بن الوليد: كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه:
أما بعد [فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك، وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك.
وإنما تضرب حديداً بارداً والسلام] .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة.
إن شاء الله تعالى.
في أمور تذكر الموت والأخرة ويزهد في الدنيا
مسلم «عن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي.
فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» وعن ابن ماجه، «عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور.
فزورها.
فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» .
فصل: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء.
أما الشواب فحرام عليهن الخروج.
وأما القواعد فمباح لهن ذلك وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا المعنى يكون قوله عليه الصلاة والسلام: «زوروا القبور» عاماً.
وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء فلا يجوز ولا يحل،
فبينا الرجل يخرج ليعتبر فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزوراً مأجوراً وهذا واضح.
والله أعلم.
وقد رأى بعض أهل العلم: أن لعن النبي صلى الله عليه وسلم زوارات القبور كان قبل أن يرخص في زيارة القبور، فلما رخص دخل الرجال والنساء وما ذكرناه لك أولاً أصح والله أعلم.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال: ياأهل القبور أخبرونا عنكم، أو نخبركم.
أما خبر من قبلنا: فالمال قد اقتسم، والنساء قد تزوجن، والمسكن قد سكنها قوم غيركم، ثم قال: أما والله لو استطاعو لقالوا: لم نر زاداً خيراً من التقوى.
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
ياعجباً للناس لو فكروا
…
وحاسبوا أنفسهم أبصروا
وعبروا الدنيا إلى غيرها
…
فإنما الدنيا لهم معبر
لا فخر إلا فخر أهل التقى
…
غداً إذا ضمهم المحشر
ليعلمن الناس أن التقي
…
والبر كانا خير ما يدخر
عجبت للإنسان في فخره
…
وهو غداً في قبره يقبر
ما بال من أوله نطفة
…
وجيفة آخره يفجر
أصبح لا يملك تقديم ما
…
يرجو ولا تأخير ما يحذر
وأصبح الأمر إلى غيره
…
في كل ما يقضي وما يقدر
فصل: قال العلماء رحمة الله عليهم: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور وخاصة إن كانت قاسية فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور:
أحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكر، والتخويف والترغيب، وأخبار الصالحين.
فإن ذلك مما يلين القلوب وينجع فيها.
الثاني: ذكر الموت من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات كما تقدم في الباب قبل، يروى أن امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها قساوة قلبها.
فقالت لها: أكثري من ذكر الموت يرق قلبك.
ففعلت ذلك فرق قلبها.
فجاءت تشكر عائشة
رضي الله عنها.
قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب فيها.
الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن في النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته، ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، ما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمنع الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب.
يروى أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت فنظر إلى كربه، وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله، بغير اللون الذي خرج به من عندهم فقالوا له: الطعام يرحمك الله فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم.
فو الله لقد رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه.
فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وإغوائه، فإن انتفع بها فذاك، وإن عظم عليه ران القلب، واستحكمت فيه دواعي الذنب، فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك مالا يبلغه الأول، والثاني، والثالث.
ولذلك قال عليه السلام «زوروا القبور فإنها تذكر الموت والآخرة، وتزهد في الدنيا» ، فالأول: سماع بالأذن، والثاني: إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير في مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات
من المسلمين معاينة، فلذلك كانا أبلغ من الأول والثاني.
قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» رواه ابن عباس ولم يروه أحد غيره إلا أن الاعتبار بحال المحتضرين غير ممكن في كل الأوقات.
وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات، وأما زيارة القبور: فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر، فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها الطواف على الأجداث فقط، فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة ونعوذ بالله من ذلك.
بل يقصد بزيارته: وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت مما يتلوه عنده من القرآن.
على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ويجتنب المشي على المقابر، والجلوس عليها إذا دخل المقابر، ويخلع نعليه.
كما جاء في أحاديث، ويسلم إذا دخل المقابر، ويخاطبهم خطاب الحاضرين.
فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» ، كذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول، وكنى بالدار عن عمارها وسكانها.
ولذلك خاطبهم بالكاف والميم لأن العرب تعبر بالمنزل عن أهله.
وإذا وصل إلى قير ميته الذي يعرف سلم عليه أيضاً فييقول: عليك السلام.
روى الترمذي في جامعه: «أن رجلاً دخل عبى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: عليك السلام، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت» وليأته من تلقاء وجهه في زيارته كمخاطبته حياً، ولو خاطبة حياً لكان الأدب استقباله بوجهه.
فكذلك ههنا.
ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاءه الموت على وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه.
فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه، الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال.
كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريقهم وبلادهم.
وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمؤاتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان متردداً في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه.
وكان يتلذذ بالنظر إلى ما حوله
وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه، وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمؤاتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله كمآله، وعند هذا التذكر والاعتبار، يزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمار الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، ويخشع جوارحه.
والله أعلم.
فصل: جاء في هذا الباب: حديث يعرض حديث هذا الباب.
وهو ما خرجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب السابق واللاحق، وأبو حفص عمر بن شاهين في الناسخ والمنسوخ له في الحديث بإسناديهما
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين، مغتم فبكيت لبكائه صلى الله عليه وسلم ثم إنه طفر أي وثب فنزل فقال: يا حميراء استمسكي فاستندت إلى جنب البعير.
فمكث عني طويلا ثم عاد إلي وهو فرح مبتسم فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك يا رسول الله، ثم إنك عدت إلي وأنت فرح مبتسم فعن ماذا يا رسول الله؟ فقال: مررت بقبر أمي آمنة فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي ـ أو قال ـ فآمنت وردها الله عز وجل» لفظ الخطيب.
وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف بإسناد فيه
مجهولون [أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به] .
قال الشيخ المؤلف رحمه الله: ولا تعارض والحمد لله، لأن إحياءهما متأخر عن النهي بالاستغفار لهما.
بدليل حديث عائشة رضي الله عنها: أن ذلك كان في حجة الوداع وكذلك جعله ابن شاهين ناسخاً لما ذكر من الأخبار.
قلت: ويبينه حديث مسلم «عن أنس أن رجلاً قال يا رسول الله: أين أبي؟ قال: في النار فلما قفا دعاه قال: إن أبي وأباك في النار» وحديث سلمة بن يزيد الجعفي وفيه: «فلما رأى ما دخل علينا قال: وأمي مع أمكما»
وهذا إن صح إحياؤهما.
وقد سمعت: أن الله تعالى أحيا له عمه أبا طالب وآمن به.
والله أعلم.
وقد قيل: إن الحديث في إيمان أمه وأبيه موضوع يرده القرآن العظيم والإجماع قال الله العظيم {ولا الذين يموتون وهم كفار} فمن مات كافراً لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه عليه السلام قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنزل {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} .
قال المؤلف: ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية وفيه نظر، وذلك أن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزال تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله تعالى وأكرمه به.
ليس إحياؤهما وإيمانهما
بممتنع عقلاً ولا شرعاً.
فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام يحيى الموتى، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى، وإذا ثبت هذا فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته وفضيلته مع ما ورد من الخبر في ذلك ويكون ذلك خصوصاً فيمن مات كافراً، وقوله: فمن مات كافراً إلى آخر كلامه مردود بما روي في الخبر أن الله تعالى رد الشمس على نبيه عليه السلام بعد مغيبهما، ذكر
أبو جعفر الطحاوي وقال: إنه حديث ثابت فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي صلى الله عليه وسلم نافعاً لإيمانهما وتصديقهما بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قبل الله إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبسهم بالعذاب فيما ذكر في بعض الأقوال وهو ظاهر القرآن.
وأما الجواب عن الآية فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما في العذاب.
والله بغيبه أعلم وأحكم.