الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من غير رجل، والمشي بالرجل أيضاً مستبعد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئاً من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا فإنك لو لم تشاهد عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكاراً لها، فاحضر رحمك الله في قلبك صورتك، وأنت قد وقفت عارياً ذليلاً مدحوراً متحيراً مبهوتاً منتظراً لما يجري عليك من القضاء بالسعادة أو بالشقاء.
باب بيان الحشر إلى الموقف كيف هو وفي أرض المحشر
وذكر الصخرة.
وقوله تعالى {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب} الآية.
أبو نعيم قال، حدثنا أبي قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد قال، قال حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا المنذر النعمان أنه سمع وهب بن منبه يقول: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: لأضعن عليك عرشي ولأحشرن عليك خلقي وليأتينك يومئذ داود راكباً وقال بعض العلماء في قوله تعالى: {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب} قال: إنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس فينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، ويا عظاماً نخرة، ويا أكفاناً فانية، ويا قلوبا خلوية، ويا أبداناً فاسدة، ويا عيوناً سائلة قومواً لعرض رب العالمين.
قال قتادة: المنادي هو صاحب الصور ينادي من الصخرة من بيت المقدس.
قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وقيل: باثني عشر ميلاً ذكره القشيري، والأول ذكره المارودي، وقيل: إن المنادي جبريل والله أعلم.
قال عكرمة: ينادي منادي الرحمن فكأنما ينادي في آذانهم يوم يسمعون الصحية بالحق يريد النفخ في الصور {ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير * يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس أرض المحشر {ذلك حشر علينا يسير} أي هين سهل.
فإن قيل: فإذا كانت الصيحة للخروج فكيف يسمعونها وهم أموات؟
قيل له: إن نفخة الإحياء تمتد وتطول، فتكون أوائلها للإحياء وما بعدها للإزعاج من القبور فلا يسمعون ما يكون للإحياء ويسمعون ما يكون للإزعاج، ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة والناس يحيون منها أولاً فأولاً، وكلما حيى واحد سمع ما يحيى به من بعده إلى أن يتكامل الجميع للخروج، وقد تقدم أن الأرواح في الصور، فإذا نفخ فيه النفخة الثانية ذهب كل روح إلى جسده، {فإذا هم من الأجداث} أي القبور {إلى ربهم ينسلون} وهذا يبين لك ما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوي السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع
الناس الصوت يومئذ، فذلك قول الله عز وجل {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} الآية.
وقال الله عز وجل {إذا السماء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت} فجر عذبها في ملحها وملحها في عذبها في تفسير قتادة {وإذا القبور بعثرت} أي أخرج ما فيها من الأموات، وقال تعالى {إذا السماء انشقت * وأذنت لربها} أي سمعت وأطاعت {وحقت} أي وحق لها أن تفعل {وإذا الأرض مدت} تمد مد الأديم وهذا إذا بدلت بأرض بيضاء كأنها فضة لم تعمل عليها خطيئة قط، وألقت ما فيها من الأموات فصاروا على ظهرها.
وخرج أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، عن عبد الله بن مسعود: [يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا فمن أطعم لله أطعمه، ومن سقا لله سقاه، ومن كسا لله كساه، ومن عمل لله كفاه، ومن نصر الله أراحه الله في ذلك اليوم.
«وروي من حديث معاذ بن جبل قال: قلت يا رسول الله أرأيت قول الله {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا معاذ بن جبل لقد سألت عن أمر عظيم ثم أرسل عينيه بالبكاء الدموع، ثم
قال: تحشر عشرة أصناف من أمتى أشتاتاً قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين وبدل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منسكين أرجلهم أعلاهم ووجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعلقون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم لعاباً تقدرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع النار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران، فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجوز في الحكم، والصم البكم الذي يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع النار السعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتناً من الجيف الذي يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» .
وقال أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة: ومن الناس من يحشر بفتنته الدنيوية، فقوم مفتونون بالعود معتكفون عليه دهرهم فعند قيام أحدهم من قبره يأخذ بيمينه فيطرحه من يده ويقول سحقاً لك شغلتني عن ذكر الله فيعود إليه، يقول: أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير
الحاكمين، وكذلك يبعث السكران سكران، والزامر زامراً، وكل واحد على الحال الذي صده عن سبيل الله.
قال: ومثل الحديث الذي روي في الصحيح أن شارب الخمر يحشر والكوز معلق في عنقه والقدح بيده وهو أنتن من كل جيفة على الأرض يلعنه كل من يمر به من الخلق.
وقال أيضاً في الكتاب: فإذا استوى كل أحد قاعداً على قبره فمنهم العريان ومنهم المكسو والأسود والأبيض، ومنهم من يكون له نور كالمصباح الضعيف، ومنهم من يكون كالشمس لا يزال كل واحد منهم مطرقاً برأسه ألف عام حتى تقوم من الغرب نار لها دوي تساق فيدهش لها رؤوس الخليقة إنساً وجناً وطيراً ووحشاً، فيأتي كل واحد من المخاطبين عمله ويقول له: قم فانهض إلى المحشر، فمن كان له حينئذ عمل جيد شخص له عمله بغلاً، ومنهم من يشخص عمله حماراً، ومنهم من يشخص له كبشاً تارة يحمله وتارة يلقيه ويجعل لكل واحد منهم نور شعاعي بين يديه وعن يمينه ومثله يسرس بين يديه في الظلمات وهو قوله تعالى {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة حالكة لا يستطيع البصر نفاذها يحار فيها الكفار ويتردد المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكتها وشدة حندسها ويحمد الله تعالى على ما أعطاه من النور المهتدي به في تلك الشدة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، لأن الله تعالى يكشف للعبد