الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد أحسن أبو العلاء بن سليمان المغربي حيث يقول:
يا من يرى مد البعوض جناحها
…
في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في لحمها
…
والمخ في تلك العظام النحل
أجالها محتومة، أرزاقها
…
مقسومة بعطا، وإن لم تسأل
فلقد سألتك بالنبي محمد
…
الهاشمي المدثر المزمل
إمنن علي بتوبة تمحو بها
…
ما كان مني في الزمان الأول
باب يفنى العباد ويبقى الملك الله وحده
البخاري ومسلم «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» ؟ و «عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطوي الله السماء يوم القيامة.
ثم يأخذهن بيده اليمنى.
ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله.
ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» انفرد به مسلم.
و «عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: يأخذ الله سماواته وأرضيه بيده.
فيقول: أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها فيقول: أنا الملك» حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل: هذه الأحاديث تدل على أن الله سبحانه يفني جميع خلقه أجمع كما تقدم ثم يقول الله عز وجل: {لمن الملك اليوم} فيجيب نفسه المقدسة بقوله: {لله الواحد القهار} .
وقيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عليها على ما يأتي {لمن الملك اليوم} فيجيبه العباد {لله الواحد القهار} رواه أبو وائل عن ابن مسعود واختاره أبو جعفر النحاس قال: والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل.
قال المؤلف رضي الله عنه: والقول الأول أظهر لأن المقصود إظهاره انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدعين وانتساب المنتسبين.
إذ قد ذهب كل ملك وملكه وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم وهذا أظهر.
وهو قول الحسن ومحمد بن كعب وهو مقتضى قوله الحق: «أنا المالك أين ملوك الأرض» ؟ .
وفي حديث أبي هريرة «ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله.
فإذا اجتمعوا أمواتاً جاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: قد مات أهل السماء
والأرض إلا ما شئت.
فيقول الله سبحانه ـ وهو أعلم ـ من بقي؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة العرش وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وبقيت أنا.
فيقول الله عز وجل: ليمت جبريل وميكائيل.
فينطق الله عز وجل العرش.
فيقول أي رب يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول: اسكت إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي فيموتان.
قال: ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار جل جلاله.
فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل قيول الله سبحانه ـ وهو أعلم ـ من بقي؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقيت أنا.
فيقول: ليمت حملة العرش.
فيموتون فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل.
ثم يقول: ليمت إسرافيل.
فيموت.
ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملة عرشك.
فيقول ـ وهو أعلم ـ من بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا.
فيقول الله: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت.
فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً {لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد} .
فكان كما كان أولاً طوى السماء كطي السجل للكتاب.
ثم قال: أنا الجبار.
{لمن الملك اليوم} فلم يجبه أحد فيقول جل ثناؤه وتقدست أسماؤه {لله الواحد القهار} » .
قلت: حديث أبي هريرة هذا فيه طول وهذا وسطه ويأتي آخره في الباب بعد هذا ويأتي أوله بعد ذلك إن شاء الله تعالى فيتصل جميعه إن شاء الله تعالى.
ذكره الطبري وعلي بن معبد والثعلبي وغيرهم.
وفي حديث لقيط بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم تلبثون ما لبثتم.
ثم تبعث الصيحة فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك يطوف في البلاد وقد خلت عليه البلاد» وذكر الحديث وهو حديث فيه طول.
خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده وغيره الأوزاعي
قال علماؤنا: قوله: «فأصبح ربك يطوف بالبلاد وقد خلت عليه البلاد» إنما هو تفهم وتقريب إلى أن جميع من في الأرض يموت.
وأن الأرض تبقى خالية وليس يبقى إلا الله كما قال: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وعند قوله سبحانه {لمن الملك اليوم} هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر والحشر على ما يأتي.
وفي فناء الجنة والنار عند فناء جميع الخلق قولان:
أحدهما: يفنيهما ولا يبقى شيء سواه وهو معنى قوله الحق: {هو الأول والآخر} وقيل: إنه مما لا يجوز عليهما الفناء وإنهما باقيان بإبقاء الله سبحانه.
والله أعلم.
وقد تقدم في الباب قبل هذا الإشارة إلى ذلك.
وقد قيل: إنه ينادي مناد فيقول: {لمن الملك اليوم} ؟ فيجيبه أهل الجنة: {لله الواحد القهار} .
فصل: في بيان ما أشكل من الحديث من ذكر اليد والأصابع
إن من قائل: ما تأويل اليد عندكم واليد حقيقتها في الجارحة المعلومة عندنا.
وتلك التي يكون القبض والطي بها؟ قلنا: لفظ الشمال أشد في الإشكال.
وذلك في الإطلاق على الله محال.
والجواب: أن اليد في كلام العرب لها خمسة معان:
تكون بمعنى القوة.
ومنه قوله تعالى: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد} وتكون بمعنى الملك والقوة.
ومنه قوله تعالى: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} وتكون بمعنى النعمة.
تقول العرب: كم يد لي عند فلان أي كم من نعمة أسديتها إليه.
وتكون بمعنى الصلة.
ومنه قوله تعالى {مما عملت أيدينا أنعاماً} أي مما عملنا نحن.
وقال تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} أي الذي له النكاح.
وتكون بمعنى الجارحة.
ومنه قوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث} .
وقو له في الحديث [بيده] عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال: ما فلان إلا في قبضتي.
بمعنى: ما فلان إلا في قدرتي.
والناس يقولون: الأشياء في قبضة الله يريدون في ملكه وقدرته، وقد يكون معنى القبض والطي: إفناء الشيء وإذهابه فقوله عز وجل: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} يحتمل أن يكون المراد به الأرض جميعاً
ذاهبة فانية يوم القيامة.
وقوله: {والسماوات مطويات بيمينه} ليس يريد به طياً بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب.
يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره وانطوى عنا دهر بمعنى المضي والذهاب.
فإن قيل: فقد قال في الحديث: «ويقبض أصابعه ويبسطها» وهذه حقيقة الجارحة؟ قلنا: هذا مذهب المجسمة من اليهود والحشوية.
والله تعالى متعال عن ذلك وإنما المعنى حكاية الصاحب عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقبض أصابعه ويبسطها وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يقبض أصابعه ويبسطها.
قال الخطابي وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب والسنة المقطوع بصحتهما.
فإن قيل: فقد ورد ذكر الأصابع في غير ما حديث فما جوابكم عنه؟ فقد روى البخاري ومسلم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، والخلائق على أصبع؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فأنزل الله عز وجل {وما قدروا الله حق قدره،
والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه} .
قيل له: اعلم أن الأصابع قد يكون بمعنى الجارحة والله تعالى يتقدس عن ذلك، ويكون بمعنى القدرة على الشيء، ويسارة تقليبه، كما تقول من استسهل شيئاً واستخفه مخاطباً لمن استثقله: أنا أحمله على أصبعي وارفعه علي بأصبعي، وأمسكه بخنصري.
وكما يقال من أطاع بحمل شيء: أنا أحمله على عيني وأفعله على رأسي.
يعني به الطواعية وما أشبه ذلك.
قد قال في معناه وهو كثير.
ومما قال عنترة وقيل ابن زيادة التيمي:
الرمح لا أملأ كفي به
…
واللبد لا أتبع تزواله
يريد أنه لا يتكلف أن يجمع كفه فيشتمل على الرمح لكن يطعن به خلساً بأصابعه لخفة ذلك عليه.
وقوله: لا أتبع تزواله: أي إذا مال لم أمل معه.
يقول: أنا ثابت على ظهر الخيل لا يضرني فقد بعض الآلة، ولا تغير السرج عما يريده الراكب.
يصف نفسه بالفروسية في الركوب والطعن، فلما كانت السموات والأرض أعظم الموجودات قدراً وأكبرها خلقاً كان إمساكها بالنسبة إلى الله تعالى كالشيء الحقير الذي نجعله نحن بين أصابعنا ونهزه بأيدينا، ونتصرف فيه كيف شئنا فتكون الإشارة بقوله:«ثم يقبض أصابعه ويبسطها» وبقوله: «ثم يهزهن» كما جاء في بعض طرق مسلم وغيره.
أي هي في قدرته كالحبة مثلاً في كف أحدنا التي لا نبالي بإمساكها ولا بهزها ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا نجد في ذلك صعوبة ولا مشقة، وقد يكون الأصبع أيضاً في كلام العرب بمعنى النعمة وهو المراد بقوله عليه السلام:«إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» أي بين نعمتين من نعم الرحمن يقال: لفلان علي أصبع أي أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة، وللراعي على ماشيته أصبع أي أثر حسن.
وأنشد الأصمعي للراعي:
ضعيف العصي بادي العروق ترى له
…
عليها إذا ما أجدب الناس أصبعاً
وقال آخر:
صلاة وتسبيح وإعطاء سائل
…
وذي رحم تبل منك أصبع
أي أثر حسن.
وقال آخر:
من يجعل الله عليه أصبعاً
…
في الخير والشر يلقاه معاً
فإن قيل: كيف جاز إطلاق الشمال على الله تعالى وذلك يقتضي النقص؟ قيل: هو مما انفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبد الله بن مقسم عن ابن عمر لم يذكرا فيه الشمال.
ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه واحد منهم الشمال.
وقال البيهقي وروى ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعبف بمرة، تفرد باحداهما جعفر بن الزبير والاخر يزيد الرقاشى وهما متروكان
وكيف يصح ذلك وصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى كلتا يديه يميناً؟ وكان من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له أو على عادة العرب في ذكر الشمال في مقابلة اليمين.
قال الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله عز وجل من صفة اليد شمال، لأن الشمال محل النقص والضعف.
وقد روى «كلتا يديه يمين» وليس معنى اليد عندنا الجارحة، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكفيها.
وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
وقد يكون اليمين في كلام العرب بمعنى القدرة والملك ومنه قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} يريد بها الملك، وقال {لأخذنا منه باليمين} أي بالقوة والقدرة أي أخذنا قدرته وقوته.
قال الفراء: اليمين القوة والقدرة وأنشد:
إذا ما رايةً رفعت لمجد
…
تلقاها عرابة باليمين
وقال آخر: