الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب ماجاء أن القبر أول منازل الآخرة وفي البكاء عنده، وفي حكمه والاستعداد له
ابن ماجه عن هانىء بن عثمان قال: كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له: تذكر الجنة والنار ولاتبكي وتبكي من هذا؟ قال «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن القبر أول منازل الآخرة.
فإن نجا منه أحد فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعد أشد منه» .
قال «قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه» أخرجه الترمذي وزاد رزين قال: وسمعت عثمان ينشد على قبر شعراً:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة
…
وإلا فإني لا إخالك ناجياً
ابن ماجه «عن البراء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة.
فجلس
على شفير القبر فبكى وأبكى حتى بل الثرى ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا» .
فصل: القبر واحد القبور في الكثرة وأقبر في القلة ويقال للمدفن: مقبر.
قال الشاعر:
لكل أناس مقبر بفنائهم
…
وهم ينقصون والقبور تزيد
واختلف في أول من سن القبر؟ : الغراب لما قتل قابيل هابيل.
وقيل بنو إسرائيل، وليس بشيء.
وقد قيل: كان قابيل يعلم الدفن ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافاً به، فبعث الله غراباً يبحث التراب على هابيل ليدفنه.
فقال عند ذلك {يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوآة أخي فأصبح من النادمين} حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قبض الله الغراب له حتى واراه.
ولم يكن ذلك ندم توبة.
وقيل: ندمه إنما كان على فقده.
لا على قتله.
قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة.
ويقال: إنه لما قتله قعد يبكي عند رأسه.
إذ أقبل غرابان فاقتتلا.
فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك.
فبقي ذلك سنة لازمة في بني آدم.
وفي التنزيل {ثم أماته فأقبره} أي جعل له قبراً يواري فيه إكراماً له ولم
يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي.
قاله الفراء.
وقال أبو عبيدة: جعل له قبراً وأمر أن يقبر.
قال أبو عبيدة: ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن قالت بنو تميم، ودخلوا عليه: أقبرنا صالحاً.
فقال: دونكموه.
وحكم القبر: أن يكون مسنماً.
مرفوعاً على وجه الأرض قليلاً غير مبني بالطين والحجارة والجص فإن ذلك منهى عنه.
وروى مسلم «عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» .
وخرجه الترمذي أيضاً «عن جابر، قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ» ، قال أبو عيسى هذا حديث صحيح.
قال علماؤنا رحمهم الله: وكره مالك تجصيص القبور، لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت في قبره عمله، وأنشدوا:
وإذا وليت أمور قوم ليلة
…
فاعلم بأنك بعدها مسؤول
وإذا حملت إلى القبور جنازة
…
فاعلم بأنك بعدها محمول
ياصاحب القبر المنقش سطحه ولعله من تحته مغلول
وفي صحيح مسلم، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثال إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
وقال أبو داود في المراسيل، عن عاصم بن أبي صالح: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم شبراً أونحواً من شبر يعني في الارتفاع.
قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: بسنم القبر ليعرف كي يحترم ويمنع من الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله، فإنها كانت تعلى عليها، وتبني فوقها تفخيماً لها وتعظيماً، وأنشدوا:
أرى أهل القصور إذا أميتوا
…
بنوا فوق المقابر بالصخور
أبوا إلا مباهاة وفخراً
…
على الفقراء حتى في القبور
لعمرك لو كشفت الترب عنهم
…
فما تدري الغني من الفقير
ولا الجلد المباشر ثوب صوف
…
من الجلد المباشر للحرير
إذا أكل الثرى هذا وهذا
…
فما فضل الغني على الفقير؟
يا هذا أين الذي جمعته من الأموال، وأعددته للشدائد والأهوال، لقد أصبحت كفك منه عند الموت خالية صفراً، وبدلت من بعد غناك وعزك ذلاً وفقراً، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره ويا من سلب من أهله ودياره؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد، إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما علمت يا مغرور: أن لا بد من الارتحال، إلى يوم شديد الأهوال، وليس ينفعك ثم قيل ولا قال، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان، ما بطشت اليدان، ومشت القدمان ونطق به اللسان، وعملت الجوارح والأركان، فإن رحمك فإلى الجنان، وإن كانت الأخرى فإلى النيران، يا غافلاً عن هذه الأحوال.
إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتحسب أن الأمر صغير.
وتزعم أن الخطب يسير؟ وتظن أن سينفعك حالك، إذا آن ارتحالك، أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك، أو يغني عنك ندمك، إذا زلت بك قدمك، أو يعطف عليك معشرك، حين يضمك محشرمك، كلا والله ساء ما تتوهم ولا بد لك أن ستعلم.
لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعظاة تستمع، ولا بالوعيد ترتدع، دأبك أن تنقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، يا نائماً في غفلة وفي خبطة يقظان، إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتزعم أن سترك سدى، وأن لا تحاسب غداً، أم تحسب أن الموت يقبل الرشا، أم تميز بين الأسد والرشا، كلا والله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون، ولا ينفع
أهل القبور إلا العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى} فانتبه من هذه الرقدة، واجعل العمل الصالح لك عدة، ولا تتمن منازل الأبرار، وأنت مقيم على الأوزار عامل بعمل الفجار، بل أكثر من الأعمال الصالحات، وراقب الله في الخلوات.
رب الأرض والسموات، ولا يغرنك الأمل، فتزهد عن العمل، أو ماسمعت الرسول حيث يقول، لما جلس على القبور:«يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا» ، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك، يقول:{وتزودوا، فإن خير الزاد التقوى} .
وأنشدوا:
تزود من معاشك للمعاد
…
وقم لله واعمل خير زاد
ولا تجمع من الدنيا كثيراً
…
فإن المال يجمع للنفاد
أترضى أن تكون رفيق قوم
…
لهم زاد وأنت بغير زاد؟
وقال آخر:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى
…
ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله
…
وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
وقال آخر:
الموت بحر طافح موجه
…
تذهب فيه حيلة السابح
يانفس إني قائل فاسمعي
…
مقالة من مشفق ناصح
لا ينفع الإنسان في قبره
…
غير التقى والعمل الصالح
وقال آخر:
أسلمني الأهل ببطن الثرى
…
وانصرفوا عني فيا وحشتا
وغادروني معدماً يائساً
…
ما بيدي اليوم إلا البكا
وكل ما كان كأن لم يكن
…
وكل ما حذرته قد أتى
وذا كم المجموع والمقتنى
…
قد صار في كفي مثل الهبا
ولم أجد لي مؤنساً ها هنا
…
غير فجور موبق أو بقا
فلو تراني وترى حالتي
…
بكيت لي يا صاح مما ترى
وقال آخر:
ولدتك إذ ولدتك أمك باكياً
…
والقوم حولك يضحكون سروراً
فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا
…
في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
وروي عن محمد القرشي قال: سمعت شيخنا يقول: أيها الناس: إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، فاعملوا في ظلمة الليل لظلمة القبر.
وصوموا في الحر قبل يوم النشور، وحجوا يحط عنكم عظائم الأمور، وتصدقوا مخافة يوم عسير.