الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» غريب من حديث أبي حازم سلمة بن دينار تفرد به عنه أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، ولقد أحسن القائل:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ها ذاك التقي
…
... واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
وقال جماعة من العلماء: إن الذنوب كلها كبائر، قال بعضهم: لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر من عصيت فهي من حيث المخالفة كبائر، والصحيح أن فيها صغائر وكبائر ليس هذا موضع الكلام في ذلك، وقد بيناه في سورة النساء في كتاب جامع أحكام القرآن والله أعلم.
باب ما يسأل عنه العبد وكيفية السؤال
قال الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}
وقال: {ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} وقال {قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم} أي ما عملتموه.
وقال {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} أي يسأل عن ذلك ويجازي عليه والآيات في هذا المعنى كثيرة
وقال {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} .
وخرج أبو نعيم الحافظ «من حديث الأعمش، عن أبي وائل شفيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يخطو خطوة إلا سئل عنها ما أراد بها»
مسلم «عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن جسده فيما أبلاه؟ وعن عمله ما عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟» خرجه الترمذي، وقال فيه: حديث حسن صحيح، رواه عن ابن عمر عن ابن
مسعود رضي الله عنهما عن النبي، وقال فيه: حديث غريب لا أعرفه إلا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث الحسين بن قيس، والحسين يضعف في الحديث.
وخرج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب، «أخبرنا أحمد بن خالد الحلبي، أخبرنا يوسف بن يونس الأفطس قال: أخبرنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله» .
مسلم «عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر رضي الله عنه.
كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: يدنى المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف.
قال فيقول: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم.
قال: فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله» .
أخرجه البخاري وقال في آخره: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} .
قال المؤلف: خرجه مسلم بمعناه وسيأتي آنفاً إن شاء الله تعالى.
وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم الختلي في كتاب الديباج له.
حدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا سيار قال: قال جعفر قال: حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يدني الله العبد منه يوم القيامة ويضع عليه كفنه فيستره من الخلائق كلها ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول له: اقرأ يا ابن آدم كتابك قال: فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويمر بالسيئة فيسود لها وجهه، قال: فيقول الله تعالى له: أتعرف يا عبدي؟ قال: فيقول نعم يا رب
أعرف، قال: فيقول: إني أعرف بها منك، قد غفرتها لك، قال: فلا تزال حسنة تقبل فيسجد وسيئة تغفر فيسجد، فلا يرى الخلائق منه إلا ذلك حتى ينادي الخلائق بعضها بعضاً طوبى لهذا العبد الذي لم يعص قط ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين الله تعالى مما قد وقفه عليه.
قلت: نسخة من هنا إلى الفصل قوله لا يزول، أخبرنا الشيخ الراوية القرشي عبد الوهاب قراءة عليه بثغر الإسكندرية حماه الله، قال: قرئ على الحافظ السلفي، وأنا أسمع.
قال: «حدثنا الحاجب أبو الحسن بن العلاء، وقال: أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أخبرنا الأجري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى السونيطي، حدثنا أحمد بن أبي رجاء المصيصي، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وتخبأ كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ثلاث مرات، قال: وهو يقر ليس ينكر قال: وهو مشفق من الكبائر أن تجيء قال: فإذا أراد الله به خيراً قال: أعطوه مكان كل سيئة حسنة، فيقول حين طمع: يا رب إن لي ذنوباً ما رأيتها ها هنا، قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.
ثم تلا {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} » خرجه مسلم في
صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا الأعمش فذكره.
فصل: قوله «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل» : عام لأنه نكرة في سياق النفي لكنه مخصوص بقوله عليه السلام، «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب» على ما يأتي.
وبقوله تعالى لمحمد عليه السلام: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن، وقد تقدم الحديث.
وبقوله تعالى: {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} .
قوله عليه السلام: «وعن عمله ما عمل فيه» .
قلت: هذا مقام مخوف لأنه لم يقل وعن عمله ما قال فيه، وإنما قال ما عمل فيه فلينظر العبد ما عمل فيما علمه هل صدق الله في ذلك وأخلصه حتى يدخل فيمن أثنى الله عليه بقوله:{أولئك الذين صدقوا} أو خالف علمه بفعله فيدخل في قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ورثواً الكتاب} الآية وقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب} وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} .
والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وسيأتي ذكرها في أبواب النار إن شاء الله تعالى،
قوله: «حتى يضع عليه كنفه» أي ستره ولطفه وإكرامه فيخاطب خطاب الملاطفة ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله تعالى: ممتنا عليه ومظهراً فضله لديه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا أي لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم قيل هذه الذنوب تاب منها.
كما ذكره أبو نعيم عن الأوزاعي عن هلال بن سعد قال: إن الله يغفر الذنوب ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب منها.
قال المؤلف: ولا يعارض هذا ما في التنزيل والحديث من أن السيئات تبدل بالتوبة حسنات، فلعل ذلك يكون بعد ما يوقفه عليها والله أعلم.
وقيل في صغائر اقترفها، وقيل كبائر بينه وبين الله تعالى اجترحها، وأما ما كان بينه وبين العباد فلا بد فيها من القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي،
وقيل: ما خطر بقلبه ما لم يكن في وسعه ويدخل تحت كسبه، ويثبت في نفسه وإن لم يعلمه، وهذا اختيار الطبري والنحاس وغير واحد من العلماء جعلوا الحديث مفسراً لقوله تعالى:{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} فتكون الآية على هذا محكمة غير منسوخة والله أعلم.
وقد بينا في كتاب جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة، وآي القرأن والحمد لله.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر الله عليه في الآخرة، وهذا مأخوذ من حديث النجوى، ومن قوله عليه السلام:«يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» خرجه مسلم.
وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة] ، وروى [من ستر على مسلم عورته، ستر الله عورته يوم القيامة]، قال أبو حامد: فهذا إنما يرجوه عبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم واحتمل في حق نفسه تقصيرهم.
ولم يحرك لسانه بذكر مساوئ الناس ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه، فهذا جدير بأن يجازى بمثله في القيامة.
فصل: وفي قوله: [سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم] نص منه تعالى على صحة قول أهل السنة في ترك إنفاذ الوعيد على العصاة من المؤمنين، والعرب تفتخر بخلف الوعيد حتى قال قائلهم:
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ولا أختشى من روعة المتهدد
وإني متى أوعدته أو وعدته
…
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي