الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن قوم نوح عليه السلام كانوا يستغشون ثيابهم تسترا منه لئلا يروه ولا يسمعوا كلامه وقد أخبر الله تعالى عن الكفار في وقت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثله فقال: ألا أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم وإن سلبت أبصارهم فلأنهم أبصروا الغير فلم يعتبروا والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا فهذا وجه الجمع بين الآيات على ما قاله علماؤنا، والله أعلم.
باب ما جاء في حشر الناس إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلاً وفي أول من يكسى منهم وفي أول ما يتكلم من الإنسان
مسلم «عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه يؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} إلى قوله {العزيز الحكيم} قال فيقال إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» .
أخرجه البخاري والترمذي، «عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال:
وأشار بيده إلى الشام فقال: ههنا إلى ههنا تحشرون ركباناً ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة أفواهكم الفدام توفون سيعين أمة أنتم خيرها على الله وأكرمهم على الله، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه» وفي رواية أخرى ذكرها ابن أبي شيبة «وإن أول ما يتكلم من الإنسان فخذه وكفه» .
فصل: قوله [غرلاً] أي غير مخنوتين النقي الحواري وهو الدرمك من الدقيق، والعفر بياض ليس بخالص يضرب إلى الحمرة قليلاً، والفدام مصفاة الكوز والابريق.
قاله الليث.
قال أبو عبيدة: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تتكلم أفخاذهم، فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق وقوله «أول من يكسى إبراهيم» فضيلة عظيمة لإبراهيم وخصوص له كما خص موسى عليه السلام بأن النبي صلى الله عليه وسلم يجده معلقاً بساق العرش مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه مطلقاً، بل هو أفضل من وافى القيامة على ما
يأتي بيانه في أحاديث الشفاعة والمقام المحمود إن شاء الله تعالى.
قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب المفهم له: ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس فلم يدخل تحت خطاب نفسه.
والله أعلم.
قلت: هذا حسن لولا ما جاء منصوصاً خلافه، فقد روى ابن المبارك في رقائقه: أخبرنا سفيان، عن عمر بن قيس، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال: أول من يكسى خليل الله إبراهيم قبطيتين، ثم يكسى محمد صلى الله عليه وسلم حلة حبرة عن يمين العرش.
ذكره البيهقي أيضاً.
وروى عباد بن كثير، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم خليل الله، ثم محمد صلى الله عليه وسلم ثم النبيون والرسل عليهم السلام، ثم يكسى المؤذنون وتتلاقهم الملائكة على نجائب من نور أحمر أزمتها من زمرد أخضر رحالها من الذهب، ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر.
ذكره الحليمي في كتاب منهاج الدين له.
وذكر أبو نعيم الحافظ من «حديث الأسود وعلقمة وأبي وائل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه: فيكون أول من يكسى إبراهيم عليه السلام يقول اكسوا خليلي فيؤتى بربطتين
بيضاوين فيلبسهما ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتي بكسوتي فألبسها فأقوم عن يمينه قياماً لا يقومه أحد غيري يغبطني فيه الأولون والآخرون» وذكر الحديث.
وخرج البيهقي بإسناده في كتاب الأسماء والصفات «عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم تحشرون حفاة عراة، وأول من يكسى من الجنة إبراهيم عليه السلام يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش، ويؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر، ثم أوتي بكرسي فيطرح لي على ساق العرش» وهذا نص بأن إبراهيم أول من يكسى، ثم نبينا بإخباره صلى الله عليه وسلم فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الوقت من ثياب الجنة، فإنه من لبسه فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحر الشمس وغير ذلك من أهواله.
فصل: وتكلم العلماء في حكمة تقديم إبراهيم عليه السلام بالكسوة فروي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عز وجل عبد أخوف من إبراهيم عليه السلام، فتعجل له كسوته أماناً له ليطمئن قلبه، ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في التستر، وحفظاً لفرجه من أن يماس مصلاه ففعل ما أمر به فيجزى بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة،