الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا الدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع.
ثم ولت فارة كذلك ـ فعلت مرة بعد أخرى ـ قال أبو الحكم رحمه الله: فذكرت عذاب القبر.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم ليعذبون عذاباً تسمعه البهائم» ، والله عز وجل أعلم بما كان من أمر ذلك الميت.
ذكر هذه الحكاية لما قرأ القارىء هذا الحديث في عذاب القبر: ونحن إذ ذاك نسمع عليه كتاب مسلم بن الحجاج رضي الله عنه.
باب ما جاء أن الميت يسمع ما يقال
مسلم «عن أنس بن مالك: عمر بن الخطاب حدث عن أهل بدر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس.
يقول: هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله.
قال فقال عمر: فو الذي بعثه بالحق نبياً ما أخطأوا الحدود التي حد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال: يا فلان بن فلان.
هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئاً.
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثاً.
فقام عليهم فناداهم.
فقال: يا أبا جهل بن هشام.
يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة.
يا شيبة بن ربيعة.
أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً فإني وجدت ماو عدني
ربي حقاً! فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يسمعون! وأنى يجيبون! وقد جيفوا؟ قال جهنم والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا» ثم أمر بهم فسحبوا فالفوا في قليب بدر.
فصل: اعلم رحمك الله أن عائشة رضي الله عنها قد أنكرت هذا المعنى.
واستدلت بقوله تعالى: {فإنك.
لا تسمع الموتى} وقوله {وما أنت بمسمع من في القبور} ولا تعارض بينهما لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما.
أو في حال ما فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص.
وقد وجد هنا بدليل ما ذكرناه ـ وقد تقدم ـ وبقوله عليه الصلاة والسلام: «إنه ليبسمع قرع..نعالهم» وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما وغير ذلك مما لا ينكر، وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب التمهيد والاستذكار من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه، ورد علي السلام.
صححه أبو محمد عبد الحق، وجيفوا معناه: أنتنوا.
باب قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا} الآية
مسلم» عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} قال: نزلت في عذاب القبر.
يقال له من ربك؟ فيقول: الله ربي.
ونبي محمد.
فذلك محمد.
قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} .
وفي رواية أنه قول البراء.
ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وهذا الطريق وإن كان موقوفاً فهو لا يقال من جهة الرأي فهو محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله كما في الرواية الأولى، وكما خرجه النسائي وابن ماجه في سننهما والبخاري في صحيحه، وهذا لفظ البخاري:
«حدثنا جعفر بن عمر قال: حدثنا شعبة بن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقعد العبد المؤمن في قبره.
أتى ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} الآية» ، وخرجه أبو داود في سننه.
فقال فيه «البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم إذا سئل في القبر فشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} » وقد مضى هذا المعنى في حديث البراء الطويل مرفوعاً والحمد الله.
وقد روى هذا الخبر، «أبي هريرة وابن مسعود وابن عباس وأبو سعيد الخدري.
قال أبو سعيد الخدري: كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها.
فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول له صدقت فيفتح له باب إلى النار فيقول له هذا منزلك لو كفرت بربك، وأما الكافر والمنافق فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري.
فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يفتح له باب إلى الجنة.
فيقال له هذا منزلك لو آمنت بربك.
فأما إذ
كفرت فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين» .
قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا هيل عند ذلك.
فصل: صحت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر على الجملة فلا مطعن فيها ولا معارض لها.
وجاء فيما تقدم من الآثار: أن الكافر يفتن في قبره ويسأل ويهان ويعذب.
قال أبو محمد عبد الحق: واعلم أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين ولا موقوفاً على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حال من عمله وما استوجبه من خطبئته وزلله.
وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب القبر إنما جاءت في الكافر والمنافق، قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد: الآثار الثابتة تدل
على: أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق ممن كان منسوباً إلى أهل القبلة ودين الإسلام من حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام والله أعلم، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويرتاب المبطلون.
قال ابن عبد البر وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» ومنهم من يرويه تسأل.
وعلى هذا الفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك، وهذا أمر لا يقطع عليه، والله أعلم.
وقال أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول: وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة.
لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل، واعتزلوا وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالرحمة وأماناً للخلق، فقال:{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} أمسك عنهم العذاب وأعطى السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف، ثم يرسخ في قلبه، فأمهلوا، فمن هنا ظهر أمر النفاق فكانوا يسرون الكفر ويعلنون الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا قيض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سترهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب فيثبت الثابت في الحياة الدنيا ويضل الله الظالمين.