الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليستحي أن يعذب ذا شيبة» ، والأخبار في هذا الباب كثيرة.
وكذلك الشعر اكتفينا منه بما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وقال أعرابي في الشيب والخضاب:
يا بؤس من فقد الشباب وغيرت
…
منه مفارق رأسه بخضاب
يرجو غضارة وجهه بخضابه
…
ومصير كل عمارة لخراب
شيئان لو بكت الدماء عليهما
…
عيناي حتى يؤذنا بذهاب
إني وجدت أجل كل مصيبة
…
فقد الشباب وفرقة الأحباب
باب متى تنقطع معرفة العبد من الناس وفي التوبة وبيانها. وفي التائب من هو
؟
باب متى تنقطع معرفة العبد من الناس وفي التوبة وبيانها.
وفي التائب من هو؟
فصل: قوله: إذا عاين يريد إذا عاين ملك الموت أو الملائكة والله أعلم، وهو معنى قوله عليه السلام في الحديث الآخر:«إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» خرجه الترمذي أي عند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان ولا تنفع حينئذ توبة ولا إيمان، كما قال تعالى في محكم البيان {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} وقال تعالى {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح، وذلك عند غرغرته بالروح، وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين.
فشخص من الصدر إلى الحلقوم.
فعندها المعاينة، وعندها حضور الموت فاعلم ذلك.
فيجب على الإنسان أن يتوب قبل المعاينة والغرغرة.
وهو معنى قوله تعالى: {ثم يتوبون من قريب} .
وقال ابن عباس والسدي: من قريب: قبل المرض والموت.
وقال أبو مجلز والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم:
قبل المعاينة للملائكة والسوق وأن يغلب المرء على نفسه.
ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال: قدم لنفسك توبة مرجوة
…
قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر به غلق النفوس فإنها
…
ذخر وغنم للمنيب المحسن
قال علماؤنا رحمهم الله وإنما صحت منه التوبة في هذا الوقت لأن الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل.
وقيل: المعنى: يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار.
والمبادرة في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح والبعد كل البعد الموت.
وأما ما كان قبل الموت فهو قريب.
عن الضحاك أيضاً.
وعن الحسن: لما هبط إبليس قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده.
قال الله تعالى «وعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه» .
والتوبة فرض على المؤمنين باتفاق المسلمين لقوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} .
ولها شروط أربعة: الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على أن لا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى وخوفاً منه لا من غيره فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة.
وقد قيل: من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الإستغفار الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان.
فأما من قال بلسانه: أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرته لا حقة بالكبائر.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
قال الشيخ المؤلف رحمه الله: هذا مقوله في زمانه فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكباً على الظلم حريصاً عليه لا يقلع والبحة في يده زاعماً أنه يستغفر من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف.
وهو ممن اتخذ آيات الله هزؤا وفي التنزيل {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه رأى رجلاً قد فرغ من صلاته وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك سريعاً فقال له: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك تحتاج إلى توبة.
قال يا أمير المؤمنين: وما التوبة؟ قال: إسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب، الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم إلى أهلها، وإئاب النفس في الطاعة كما أذابتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، وأن تزين نفسك في طاعة الله كما زينتها في معصية الله، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
وقال أبو بكر الوراق: التوبة أن تكون نصوحاً.
وهو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلفوا.
وقيل: التوبة النصوح هي رد المظالم واستحلال الخصوم وإدمان الطاعات.
وقيل: غير هذا، وبالجملة فالذنوب التي يثاب منها إما كفر أو غيره، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على سالف كفره وليس مجرد الإيمان نفس التوبة، وغير الكفر: إما حق الله وإما حق لغيره.
فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء، كالصلاة والصوم.
ومنها ما أضاف إليه كفارة كالحنث في الإيمان وغير ذلك.
وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها فإن لم يوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعساره فعفو الله مأمول وفضله مبذول.
فكم ضمن من التبعات وبدل من السيئات بالحسنات.
وعليه أن يكثر من الأعمال الصالحات ويستغفر لمن ظلمه من المؤمنين والمؤمنات فهذا الكلام في حقيقة التوبة.
وقد روي مرفوعاً في صفة التائب من «حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في جماعة من أصحابه أتدرون من التائب؟ قالوا: اللهم لا.
قال:
إذا تاب العبد ولم يرض خصماؤه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير مجلسه فليس بتائب.
ومن تاب ولم يغير نفقته وزينته فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير فراشه ووساده فليس بتائب، ومن تاب ولم يوسع خلقه فليس بتائب، ومن تاب ولم يوسع قلبه وكفه فليس بتائب» ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:«فإذا تاب عن هذه الخصال فذلك تائب حقاً»
قال العلماء: إرضاء الخصوم يكون بأن يرد عليهم ما غصبهم من مال أو خانهم أو غلهم أو اغتابهم أو خرق أعراضهم أو شتمهم أو سبهم فيرضيهم بما استطاع ويتحللهم من ذلك، فإن انقرضوا فإن كان لهم قبله مال رده إلى الورثة، وإن لم يعرف الورثة تصدق به عنهم ويستغفر لهم بعد الموت ويدعو: اللهم عوض الذم والغيبة لا خلاف في هذا، وأما تغيير اللباس فهو أن يستبدل ما عليه من الحرام بالحلال.
وإن كانت ثياب كبر وخيلاء استبدلها بأطمار متوسطة، وتغيير المجلس: هو بأن يترك مجالس اللهو واللعب والجهال والأحداث.
ويجالس العلماء ومجالس الذكر والفقراء والصالحين ويتقرب إلى قلوبهم بالخدمة وبما يستطيع ويصافحهم.
وتغيير الطعام بأن يأكل الحلال وبجانب ما كان من شبهة أو شهوة.
ويغير أوقات أكله، ولا يقصد اللذيذ من الأطعمة.
وتغيير النفقة هو بترك الحرام وكسب الحلال، وتغيير الزينة بترك التزين في الأثاث والبناء واللباس والطعام والشراب.
وتغيير الفراش بالقيام بالليل عوض ما كان يشغله بالبطالة والغفلة والمعصية كما قال الله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} .
وتغيير الخلق هو بأن ينقلب خلقه من الشدة إلى اللين ومن الضيق إلى السعة ومن الشكاسة إلى السماحة.
وتوسيع القلب يكون بالإنفاق ثقة بالقيام على كل حال، وتوسيع الكف بالسخاء والإيثار بالعطاء.
هكذا يبدل كل ما كان فيه كشرب الخمر بكسره وسقي اللبن والعسل والزنا بكفالة الأرملة واليتيمة وتجهيزهما ويكون مع ذلك نادماً على ما سلف منه ومتحسراً على ما ضيع من عمره.
فإذا كملت التوبة به على هذه الخصال التي ذكرنا والشروط التي
بينا تقبلها الله بكرمه وأنسى حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه.
قال الله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} .
والأصل في هذه الجملة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الرجل الذي قتل مائة نفس ثم سأل: هل له من توبة؟ فقال له العالم: ومن يحول بينك وبينها، انطلق إلى أرض بني فلان فإن بها ناساً صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء.
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح وفي مسند أبي داود الطيالسي: «حدثنا زهير بن معاوية، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد وليس بابن أبي مريم، عن عبد الله بن مغفل قال: كنت مع أبي وأنا إلى جنبه عند عبد الله بن مسعود فقال له أبي: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله عز وجل تاب الله عليه؟ فقال: نعم سمعته يقول: الندم توبة» .
وفي صحيح مسلم والبخاري «عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» .
وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له «عن أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزيناً ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى أنها لتصفق.
ثم تلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} » .
قال الشيخ المؤلف رحمه الله: فدل القرآن على أن في الذنوب كبائر وصغائر، خلافاً لمن قال: كلها كبائر، حسب ما بيناه في سورة النساء، وأن الصغائر كاللمسة والنظرة تكفر باجتناب الكبائر قطعاً بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب، وهي إقامة الفرائض كما نص عليه الحديث.
ومثله: ما رواه مسلم «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» على هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء وهو الصحيح في الباب.
وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة منها والإقلاع عنها كما بينا، وقد اختلف في تعيينها ليس هذا موضع ذكرها،