الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المؤمن المنعم عن أحوال المعذب الشقي ليستبين له سبيل الفائدة، كما فعل بأهل الجنة وأهل النار حيث يقول فاطلع فرآه في سواء الجحيم، وكما قال سبحانه {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} لأن أربعاً لا يعرف قدرها إلا أربع: لا يعرف قدر الحياة إلا الموتى، ولا يعرف قدر الأغنياء إلا الفقراء، ولا يعرف قدر الصحة إلا أهل البلاء والسقم، ولا يعرف قدر الشباب إلا الشيوخ.
وفي نسخة: ولا يعرف قدر النعيم إلا أهل الجحيم، ومن الناس من يبقى على قدميه وعلى طرف بنانه ونوره يطفأ تارة ويشتعل أخرى، وإنما هم عند البعث على قدر إيمانهم وأعمالهم، وقد مضى في باب يبعث كل عبد على ما مات عليه ما فيه كفاية، والحمد لله.
باب الجمع بين آيات وردت في الكتاب في الحشر ظاهرها التعارض
منها قوله تعالى {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم} وقال تعالى {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً} وفي آية ثالثة إنهم يقولون {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} وهذا كلام وهو مضاد للبكم والتعارف تخاطب وهو مضاد للصم والبكم
معاً، وقال الله تعالى {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} والسؤال لا يكون إلا بالاسماع وإلا لناطق يتسع للجواب وقال {نحشر المجرمين يومئذ زرقاً} وقال، {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} وقال {يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون} والنسلان والاسراع مخالفان للحشر على الوجوه.
والجواب: لمن سأل عن هذا الباب أن يقال له إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم، فليست حالهم حالة واحدة ولا موقفهم ولا مقامهم واحداً، ولكن لهم مواقف وأحوال واختلفت الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: حال البعث من القبور، والثانية حال السوق إلى مواضع الحساب والثالثة حال المحاسبة، والرابعة حال السوق إذا دار الجزاء، والخامسة حال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها.
فأما حال البعث من القبور: فإن الكفار يكونون كاملي الحواس والجوارح لقول الله تعالى {يتعارفون بينهم} وقوله {يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً} وقوله {فإذا هم قيام ينظرون} وقوله: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} إلى قوله {ترجعون} .
والحالة الثانية: حال السوق إلى موضع الحساب وهم أيضاً في هذه الحال بحواس تامة لقوله عز وجل {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} {من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} {وقفوهم إنهم مسؤولون} ومعنى فاهدوهم أي دلوهم ولا دلالة لأعمى أصم ولا سؤال لأبكم، فثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع وألسنة ناطقة.
والحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة وهم يكونون فيها أيضاً كاملي الحواس ليسمعوا ما يقال لهم ويقرأوا كتبهم الناطقة بأعمالهم وتشهد عليهم
جوارحهم بسيئاتهم، فيسمعونها وقد أخبر الله تعالى أنهم يقولون {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وأنهم يقولون لجلودهم {لم شهدتم علينا} وليشاهدوا أحوال القيامة وما كانوا مكذبين في الدنيا به من شدتها وتصرف الأحوال بالناس فيها.
وأما الحالة الرابعة: وهي السوق إلى جهنم فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم لقوله تعالى {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم} ويحتمل أن يكون قوله تعالى {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} إشارة إلى ما يشعرون به من سلب الأبصار والأسماع والمنطق.
والحالة الخامسة، حال الإقامة في النار.
وهذه الحالة تنقسم إلى بدو ومآل.
فبدوها أنهم إذا قطعوا المسافة التي بين موقف الحساب وشفير جهنم عمياً وبكماً وصماً إذلالاً لهم تمييزاً عن غيرهم، ثم ردت الحواس إليهم ليشاهدوا النار، وما أعد الله لهم فيها من العذاب ويعاينوا ملائكة العذاب وكل ما كانوا به مكذبين، فيستقرون في النار ناطقين سامعين مبصرين ولهذا قال الله تعالى {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} وقال {لو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} وقال {كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم} إلى قوله {وقالت أولاهم لأخراهم} وقال {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} وأخبر تعالى أنهم ينادون أهل الجنة فيقولون {أفيضوا علينا من
الماء أو مما رزقكم الله} وأن أهل الجنة ينادونهم {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم} وأنهم يقولون {يا مالك ليقض علينا ربك} فيقول لهم {إنكم ماكثون} وأنهم يقولون لخزنة جهنم {ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} فيقولون لهم {أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} .
وأما العقبى والمال فإنهم إذا قالوا: {أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فقال الله تعالى {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم وهو أن يؤتى بكبش أملح ويسمى المكوت، ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادوا يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت سلبوا في ذلك الوقت أسماعهم، وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام، لكن سلب السمع يقين، لأن الله تعالى يقول:{لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} فإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل أنهم سمعوا نداء الرب سبحانه على ألسنة رسله فلم يجيبوه بل جحدوه، وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته، فلما كانت حجة الله عليهم في الدنيا الاستماع عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلب الأسماع يبين ذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبنيك حجاب وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه