الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على لساني يمنعني من قولها.
قلت: أفما يمنعك إلا من قولها؟ فقال: نعم.
قلت: وما كان عملك به؟ قال: ما أخذت ولا أعطيت به إلا حقاً في علمي، غير أني كنت أقيم المدة لا أفتقده ولا أحتبره.
فكان يونس بعد ذلك يشترط على من يبايعه أن يأتي بميزان ويزن بيده وإلا لم يبايعه.
باب ما جاء في سوء الخاتمة وما جاء أن الأعمال بالخواتيم
قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن سوء الخاتمة ـ أعاذنا الله منها ـ لا
تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به ـ الحمد لله ـ وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم.
فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله، ثم العياذ بالله، أو يكون ممن كان مستقيماً، ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه، ويأخذ في طريقه، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمه وشؤم عاقبته، كإبليس الذي عبد الله فيما يروى ثمانين ألف سنة، وبلعام بن باعوراء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض، واتباع هواه، وبرصيصا العابد الذي قال الله في حقه {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر} .
ويروى: أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجداً للأذان والصلاة، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة، فرقي يوماً المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني ذمي، فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها وترك الأذان، ونزل إليها ودخل الدار فقالت له: ما شأنك ما تريد؟ فقال: أنت أريد.
قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبت لبي وأخذت بمجامع قلبي.
قالت: لا أجيبك إلى ريبة.
قال لها: أتزوجك.
قالت له: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك قال لها: أتنصر.
قالت: إن فعلت أفعل.
فتنصر ليتزوجها، وأقام معها في الدار.
فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلا هو بدينه ولا هو بها.
فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة وسوء الخاتمة.
ويروى أن رجلاً علق بشخص وأحبه، فتمنع عنه واشتد نفاره فاشتد كلف البائس إلى أن لزم الفراش، فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن يعود، فأخبر بذلك ففرح واشتد فرحه وسروره، وانجلى عنه بعض ما كان يجده، فلما كان في بعض الطريق رجع وقال: والله لا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض بنفسي لمواقع التهم فأخبر بذلك البائس المسكين فسقط في يده، ورجع إلى أسوأ ما كان به وبدت علامات الموت وأمارته عليه.
قال الراوي: فسمعته يقول وهو في تلك الحال:
سلام يا راحة العليل
…
وبرد ذل الدنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي
…
من رحمة الخالق الجليل
قال: فقلت له: يا فلان اتق الله تعالى فقال: قد كان ما كان.
فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه.
فنعوذ بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة.
قال المؤلف رحمه الله: «روى البخاري عن سالم عن عبد الله قال: كان كثيراً ما
كان النبي يحلف: لا ومقلب القلوب» ومعناه يصرفها أسرع من مر الريح على اختلاف في القبول والرد والإرادة والكراهية وغير ذلك من الأوصاف.
وفي التنزيل {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} قال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع.
بيانه: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} أي عقل، واختار الطبري أن يكون ذلك إخباراً من الله تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئة الله عز وجل.
وقالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟ قال: وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الجبار إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلب» .
قال العلماء: وإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والإستقامة على مشيته موقوفة، والعاقبة مغيبة، والإرادة غير مغالبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك، فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله الدار عليك وخيره، فمهما افتخرت بذلك، كنت كالمفتخر بمتاع غيره، وربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم.
فأصبحت وزهرها يابس هشيم، إذ هبت عليها الريح العقيم.
كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم، فيصبح وهو بمعصية مظلم سقيم.
ذلك فعل العزيز الحكيم الخلاق العليم.
روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال: [اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد، فعلقت امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت الجارية كلما دخل باباً أغلقته دونه حتى أفضت إلى امرأة وضيئة أي جميلة عندها غلام
وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمر كأساً أو تقتل هذا الغلام قال فاسقني من هذه الخمر؟ فسقته كأساً قال: زيدوني فلم يزل يشرب حتى وقع عليها وقتل الغلام.
فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه] .
ويروى أن رجلاً أسيراً مسلماً، وكان حافظاً للقرآن، خص بخدمة راهبين، فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته فأسلم الرهبان وتنصر المسلم.
وقيل له: ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه.
قال: لا أرجع إليه أبداً فقتل، وفي الخبر قصته، والحكايات كثيرة في هذا الباب نسأل الله السلامة والممات على الشهادة.
وأنشد بعضهم:
قد جرت الأقلام في ذي الورى
…
بالختم من أمر الحكيم العليم
فمن سعيد وشقي ومن
…
مثر من المال وعار عديم