الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب منه في خروج نفس المؤمن والكافر
خرج أبو نعيم «من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نفس المؤمن تخرج رشحاً، وإن نفس الكافر تسل كما تسل نفس الحمار، وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدد عليه عند الموت ليكفر بها عنه.
وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها» .
باب ما جاء أن للموت سكرات وفي تسليم الأعضاء بعضها على بعض وفيما يصير الإنسان إليه
وصف الله سبحانه وتعالى شدة الموت في أربع آيات:
الأولى: قوله الحق: {وجاءت سكرة الموت بالحق} .
الثانية: قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} .
الثالثة: قوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} .
الرابعة: {كلا إذا بلغت التراقي} .
روى البخاري عن «عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء.
فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يديه فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده» .
وخرج الترمذي عنها قالت: [ما أغبط أحداً بهون موت.
بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم] .
وفي البخاري عنها قالت: [مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي.
فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد النبي صلى الله عليه وسلم] الحاقنة: المطمئن بين الترقوة والحلق، والذاقنة: نقره الذقن وقال الخطابي: الذاقنة: ما تناوله الذقن من الصدر.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده «عن جابر بن عبد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تحدثوا عن بني إسرائيل.
فإنه كانت فيهم أعاجيب» .
ثم أنشأ يحدثنا قال: [خرجت طائفة منهم فأتوا على مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت قال: ففعلوا.
فبينما هم كذلك إذا طلع رجل رأسه بيضاء، أسود اللون خلا شيء، بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي؟ لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن.
فادعوا الله أن يعيدني كما كنت] .
وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: «حدثنا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول: عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة» .
وذكر المحاسبي في الرعاية: أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام: [يا خليلي كيف وجدت الموت؟ قال: كسفود محمى جعل في صوف رطب، ثم جذب قال: [أما إنا قد هونا عليك يا إبراهيم] .
وروى أن موسى عليه السلام لما صار روحه إلى الله.
قال له ربه: [يا
موسى كيف وجدت الموت] ؟ قال: وجدت نفسي كالعصفور الحي حين يقلى على المقلى لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير.
وروى عنه أنه قال: وجدت نفسي كشاة تسلخ بيد القصاب وهي حية.
وقال عيسى بن مريم عليه السلام: [يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهون عليكم هذه السكرة] يعني سكرات الموت.
وروي: أن الموت أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض.
وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب الحلية من «حديث مكحول، عن وائلة ابن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف» وسيأتي بكماله إن شاء الله تعالى.
وفي الخبر من حديث حميد الطويل، «عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تكتنف العبد، وتحبسه، ولولا ذلك لكان يعدو في الصحاري والبراري من شدة سكرات الموت» .
وجاءت الرواية بأن ملك الموت عليه السلام إذا تولى الله قبض نفسه بعد موت الخلائق يقول: [وعزتك لو علمت من سكرة الموت ما أعلم ما قبضت نفس مؤمن] .
ذكره القاضي أبو بكر بن العربي.
وعن شهر بن حوشب قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموت وشدته؟ فقال: إن أهون الموت بمنزلة حسكة كانت في صوف.
فهل تخرج الحسكة من الصوف إلا ومعها الصوف» ؟ قال شهر: ولما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال له ابنه يا أبتاه؟ إنك لتقول لنا: ليتني كنت ألقى رجلاً عاقلاً لبيباً عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد.
وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت فقال: يا بني والله كأن جنبي في تخت.
وكأني أتنفس من سم إبرة.
وكأن غصن شوك يجذب من
قدمي إلى هامتي.
ثم أنشأ يقول:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي
…
في تلال الجبال أرعى الوعولا
وعن أبي ميسرة رفعه قال: [لو أن ألم شعرة من الميت وضع على أهل السماء والأرض لماتوا جميعاً] وأنشدوا:
أذكر الموت ولا أرهبه
…
إن قلبي لغليظ كالحجر
أطلب الدنيا كأني خالد
…
وورائي الموت يقفو بالأثر
وكفى بالموت فاعلم واعظاً
…
لمن الموت عليه قد قدر
والمنايا حوله ترصده
…
ليس ينجي المرء منهن المفر
وقال آخر:
بينا الفتى مرح الخطا فرح بما
…
يسع له إذ قيل: قد مرض الفتى
إذ قيل: بات بليلة ما نامها
…
إذ قيل: أصبح مثخناً ما يرتجى
إذ قيل: أصبح شاخصاً وموجها
…
ومعللاً.
إذ قيل: أصبح قد قضى
فصل: أيها الناس: قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه، وحان للغافل أن يتنبه من غفلته قبل هجوم الموت بمرارة كأسه، وقبل سكون حركاته، وخمود أنفاسه، ورحلته إلى قبره، ومقامه بين أرماسه.
وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أناس من أصحابه يوصيهم فكان فيما أوصاهم به أن كتب إليهم:
[أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله العظيم، والمراقبة له، واتخذوا التقوى والورع زاداً.
فإنكم في دار عما قريب تنقلب بأهلها، والله في عرضات القيامة وأهوالها.
يسألكم عن الفتيل والنقير.
فالله الله عباد الله.
اذكروا الموت الذي لا بد منه، واسمعوا قول الله تعالى:{كل نفس ذائقة الموت} .
وقوله عز وجل: {كل من عليها فان} .
وقوله عز وجل: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} فقد بلغني ـ والله أعلم ـ أنهم يضربون بسياط من نار.
وقال جل ذكره: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} .
وقد بلغني ـ والله أعلم وأحكم ـ أن ملك الموت رأسه في السماء ورجلاه
في الأرض وأن الدنيا كلها في يد ملك الموت كالقصعة بين يدي أحدكم يأكل منها.
وقد بلغني ـ والله أعلم وأحكم ـ أن ملك الموت ينظر في وجه كل آدمي ثلاثمائة نظرة وستاً وستين نظرة.
وبلغني أن ملك الموت ينظر في كل بيت تحت ظل السماء ستمائة مرة.
وبلغني أن ملك الموت قائم وسط الدنيا فينظر الدنيا كلها برها وبحرها وجبالها وهي بين يديه كالبيضة بين رجلي أحدكم.
وبلغني أن لملك الموت أعواناً الله أعلم بهم ليس منهم ملك إلا لو أذن له أن يلتقم السموات والأرض في لقمة واحدة لفعل.
وبلغني أن ملك الموت تفزغ منه الملائكة أشد من فزع أحدكم من السبع.
وبلغني أن حملة العرش إذا قرب ملك الموت من أحدهم ذاب حتى يصير مثل الشعرة من الفزع منه وبلغني أن ملك الموت ينتزع روح بني آدم من تحت عضوه وظفره وعروقه وشعره ولا تصل الروح من مفصل إلى مفصل إلا كان أشد عليه من ألف ضربة بالسيف.
وبلغني أنه لو وضع وجع شعرة من الميت على السموات والأرض لأذابها حتى إذا بلغت الحلقوم ولي القبض ملك الموت.
وبلغني أن ملك الموت إذا قبض روج مؤمن جعلها في حريرة بيضاء
ومسك أذفر.
وإذا قبض روح الكافر جعلها في خرقة سوداء في فخار من نار أشد نتناً من الجيف.
وفي الخبر إذا دنت منية المؤمن نزل عليه أربعة من الملائكة: ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى وملك يجذبها من قدمه اليسرى، والنفس تنسل انسلال القطرة من السقاء وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع.
والكافر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبتل.
ذكره أبو حامد في كشف علوم الآخرة فمثل نفسك يا مغرور وقد حلت بك السكرات، ونزل بك الأنين والغمرات فمن قائل يقول: إن فلاناً قد أوصى وماله قد احصى، ومن قائل
يقول: إن فلاناً ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، ثم تبكي ابنتك وهي كالأسيرة، وتتضرع وتقول: حبيبي أبي من ليتمي من بعدك؟ ومن لحاجتي؟ وأنت والله تسمع الكلام ولا تقدر على رد الجواب وأنشدوا:
وأقبلت الصغرى تمرغ خدها
…
على وجنتي حيناً وحيناً على صدري
وتخمش خديها وتبكي بحرقة
…
تنادي: أبي إني غلبت على الصبر
حبيبي أبي من لليتامى تركتهم كأفراخ زغب في بعيد من الوكر؟
فخيل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك، إلى لوح مغتسلك فغسلك الغاسل، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكت عليك الأصحاب والإخوان، وقال الغاسل أين زوجة فلان تحالله؟ وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم أبداً؟ وأنشدوا:
ألا أيها المغرور ما لك تلعب
…
تؤمل آمالاً وموتك أقرب
وتعلم أن الحرص بحر مبعد
…
سفينته الدنيا فإياك تعطب
وتعلم أن الموت ينقص مسرعاً
…
عليك يقينا طعمه ليس يعذب
كأنك توصي واليتامى تراهم
…
وأمهم الثكلى تنوح وتندب
تغص بحزن ثم تلطم وجهها
…
يراها رجال بعد ما هي تحجب
وأقبل بالأكفان نحوك قاصد
…
ويحثى عليك الترب والعين تسكب
فصل: قول عائشة رضي الله عنها: «كانت بين يديه ركوة أو علبة» العلبة: قدح من خشب ضخم يحلب فيه، قال ابن فارس في المجمل وقال الجوهري في الصحاح العلبة محلب من جلد، والجمع علب وعلاب، والمعلب الذي يتخذها
…
قال الكميت يصف خيلاً:
سقينا دما القوم طوراً، وتارة
…
صبوحاً لإقتار الجلود المعلب
وقيل: أسفله جلد وأعلاه خشب مدور مثل إطار الغربال، وهو الدائر به، وقيل: هو عس يحلب فيه.
والعس: القدح الضخم.
وقال اللغوي أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري في
كتاب التلخيص له: والعلبة: قدح للأعراب مثل العس، والعس يتخذ من جنب جلد البعير والجمع علاب، وقوله: إن الموت سكرات أي شذائد وسكرة الموت شدته.
فصل: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين والأولين والمتقين فمالنا عن ذكره مشغولين؟ وعن الاستعداد له متخلفين؟ {قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون} قالوا: وما جرى على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من شدائد الموت وسكراته، فله فائدتان.
إحداهما: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن وقد يطلع الإنسان على بعض الموتى فلا يرى عليه حركة ولا قلقاً ويرى سهولة خروج روحه، فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت ولا يعرف ما الميت فيه؟ فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم: شدة ألمه، مع كرامتهم على الله تعالى وتهونيه على بعضهم، قطع الخلق بشدة الموت الذي يعانيه ويقاسيه الميت مطلقاً لإخبار الصادقين عنه، ما خلا الشهيد قتيل الكفار على ما يأتي ذكره.
الثانية: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء: أحباب الله، وأنبياؤه ورسله،
فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة؟ وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين، كما قال في قصة إبراهيم: أما إنا قد هونا عليك.
فالجواب: «أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» كما قال نبينا عليه السلام.
خرجه البخاري وغيره، فأحب الله أن يبتليهم تكميلاً لفضلاً لديه، ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك في حقهم نقصاً، ولا عذاباً.
بل هو كما قال، كمال رفعة، مع رضاهم بجميل ما يجزي الله عليهم، فأراد الحق، سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم، ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم.
كما ابتلى إبراهيم بالنار، وموسى بالخوف والأسفار، وعيسى بالصحارى والقفاز، ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالفقر في الدنيا ومقاتلة الكفار، كل ذلك لرفعة في أحوالهم،
وكمال في درجاتهم، ولا يفهم من هذا أن الله شدد عليهم أكثر مما شدد على العصاة المخلطين فإن ذلك عقوبة لهم، ومؤاخذة على إجرامهم فلا نسبة بينه وبين هذا.
فصل: إن قال قائل: كل المخلوقات تجد هذه السكرات؟ قيل له: قال بعض العلماء قد وجب بحكم القول الصدق، والكلمة الحق، أن الكأس مر المذاق، وإن قد ذيق ويذاق ولكن ثم فريقان، وتقديرات وأوزان، وإن الله سبحانه وتعالى لما انفرد بالبقاء وحده لا شريك له وأجرى سنة الهلاك والفناء على الخلق دونه، خالف في ذلك جل جلاله بين المخلوقات، وفرق بين المحسوسات، بحسب ما خالف بين المنازل والدرجات، فنوع أرضي حيواني.
إنساني وغير إنساني وفوقه عالم روحاني وملأ علواني رضواني، كل يشرب من ذلك الكأس جرعته.
وبغتص منه غصته، قال الله تعالى:{كل نفس ذائقة الموت} .
قال أبوحامد في كتاب الكشف علوم الأخرة: وثبت ذلك في ثلاثة
مواضع من كتابه، وإنما أراد سبحانه بالموتات الثلاث للعالمين: فالمتحيز إلى العالم الدنيوي يموت، والمتحيز إلى العالم الملكوتي يموت، والمتحيز إلى العالم الجبروتي يموت، فالأول آدم وذرتيه وجميع الحيوان على ضروبه، والملكوتي وهو الثاني أصناف الملائكة والجن، وأهل الجبروت هم المصطفون من الملائكة.
قال الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} فهم كروبيون وحملة العرش وأصحاب سر دقات الجلال كما وصفهم الله في كتابه وأثنى عليهم حيث يقول {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وهم أهل حضرة القدس المعنيون بقوله تعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} وهم يموتون على هذه المكانة من الله تعالى والقربة، وليس زلفاهم بمانع لهم من الموت.
قال ابن قسي: وكما تفرقت الطرق بهذه العوالم كذلك تفرقت طرقت
الإحساسات في اجتراع الغصص والمرارات فإحساس روحاني للروحانيات كما يجده النائم في سنته، أو الغصة الوجيعة تغصه في نومته فيغص منها في حال رقدته ويتململ ذلك إلى حين يقتظه، حتى إذا استيقظ لم يجده شيئاً ووجد الإنس عنده فأزال ألمه، ووافاه أمانه ونعمه، وإحساس علوي قدسي كما يجده الوسنان الروحانية.
وهو ما لا يدركه العقل البشري إلا توهما، ولا يبلغه التحصيل إلا تخيلاً وتوسماً، وإحساس بشري سفلي إنسي وجني، وهو ما لا يكاد أن توصف شدائده، وغصصه، فكيف وقد قالوا بالغصة الواحدة منه كألف ضربة السيف فما عسى أن ينعت ويوصف وهذا الذي لا يمكن أن يعرف؟ والخلق أيضاً في هذا الإحساس فرق، يختلفون باختلاف المنازل والطرق، فالفرقة الإسلامية في نفسها لا تجد منه غير الإسلامية، ثم الإسلامية نفسها لا تجد منه النبوية، كما تجد التبعية.
ثم النبوية في ذاتها ومقاماتها إحساساتها تختلف على حكم الكلمة وصدق القيا باختلاف التقديم والتفضيل، قال الله تعالى {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات} الآية.
وقد نبهت الخلة الذاتية عزت سبحاتها،
وتقدست صفاتها، على صفة ذلك عن إبراهيم وأشارت إلى تهوين الأمر عليه، وتبين ما خفف عنه، صلوات الله وسلامه عليه، فقال: أما إنا قد هونا عليك يا إبراهيم وما وصفه الحق جل جلاله بالهون فلا أهون منه، كما ما كبره وعظمه فلا أكبر ولا أعظم منه، ولا فرق بين أن قال: موتاً هيناً وملكاً عظيماً كبيراً، وقال في نعيم الجنة {وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً} فكما أنه لا أكبر من ملك الجنة.
كذلك لا هون من موت الخلة، والله أعلم.
فصل: إذا ثبت ما ذكرناه.
فاعلم: أن الموت هو الخطب الأفظع، والأمر الأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وأنه الحارث الأهذم للذات والأقطع للراحات، والأجلب للكريهات، فإن أمراً يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك، لهو الأمر العظيم، والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم.
ويحكى أن الرشيد لما اشتد مرضه أحضر طبيباً طوسياً فارسياً
وأمر أن يعرض عليه ماؤه أي بوله مع مياه كثيرة لمرضى وأصحاء، فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيد فقال: قولوا: لصاحب هذا الماء يوصي.
فإنه قد انحلت قواه، وتداعت بنيته، ولما استعرض باقي المياه أقيم فذهب، فيئس الرشيد من نفسه وأنشد:
إن الطيب بطبه ودوائه
…
لا يستطيع دفاع نحب قد أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي
…
قد كان أبرأ مثله فيما مضى
مات المداوي، والمداوى،
…
والذي جلب الدواء أو باعه، ومن اشترى
وبلغه أن الناس أرجفوا بموته.
فاستدعى حماراً وأمر أن يحمل عليه فاسترحت فخذاه.
فقال: أنزلوني صدق المرجفون، ودعا بأكفان فتخير منها ما أعجبه وأمر فشق له قبر أمام فراشه ثم اطلع فيه فقال: ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانية.
فمات من ليلته، فما ظنك ـ رحمك الله ـ بنازل ينزل بك فيذهب رونقك وبهاك ويغير منظرك ورؤياك، ويمحو صورتك وجمالك، ويمنع من اجتماعك واتصالك، ويردك بعد النعمة والنضرة، والسطوة والقدرة، والنخوة والعزة، إلى حالة يبارد فيها أحب الناس إليك، وأرحمهم بك، وأعطفهم عليك، فيقذفك في حفرة من الأرض قريبة أنحاؤها مظلمة أرجاؤها، محكم عليك حجرها وصيدانها، فتحكم فيك هوامها وديدانها، ثم بعد ذلك تمكن منك الأعدام وتختلط
بالرغام، وتصير تراباً توطأ بالأقدام، وربما ضرب منك الإناء فخار، أو أحكم بك بناء جدار، أو طلي بك محس ما، أو موقد نار.
كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه يأتي بإناء ماء ليشرب منه فأخذه بيده ونظر إليه وقال: الله أعلم كم فيك من عين كحيل، وخذ أسيل.
ويحكى أن رجلين تنازعاً وتخاصماً في أرض فأنطلق الله عزوجل لبنة من حائط من تلك الأرض فقالت: يا هذان فيم تتنازعان؟ وفيم تتخاصمان؟ إني كنت ملكاً من الملوك ملكت كذا وكذا سنة ثم مت وصرت تراباً.
فبقيت كذلك ألف سنة ثم أخذني خزاف ـ يعني فخاراً فعمل مني إناء فاستعملت حتى تكسرت، ثم عدت تراباً فبقيت ألف سنة.
ثم أخذني رجل فضرب مني لبنة، فجعلني في هذا الحائط.
ففيم تنازعكما وفيم تخاصمكما؟ .
قلت: والحكايات في هذا المعنى والوجود شاهد بتجديد ما دثر، وتغيير ما غير وعن ذلك أن يكون الحفر والإخراج، واتخاذ الأواني وبناء