الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل صحراء قريب من شفير جهنم.
وقال الثوري: الساهرة أرض الشام وقيل غير هذا، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون عليها حينئذ، ومعنى {فإذا هم بالساهرة} أي على الأرض بعدما كانوا في بطنها والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، قال أمية بن أبي الصلت:
وفيها لحم ساهرة وبحر
…
وما فاهوا به لهم مقيم
باب الحشر ومعناه الجمع
وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة.
أما الذي في الدنيا فقوله تعالى {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} قال الزهري: كانوا من سبط لم يصيبهم جلاء، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام.
«قال ابن عباس: من شك أن الحشر في الشام فليقرأ هذه الآية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: أخرجوا قالوا أي أين؟ قال: إلى أرض المحشر» قال قتادة: هذا أول الحشر.
الثاني: ما رواه مسلم «عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة
على بعير وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث يأتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» أخرجه البخاري أيضاً.
وقال قتادة: الحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف.
قال القاضي عياض: هذا الحشر في الدنيا قبل قيام الساعة وهو آخر أشراطهما كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة.
قال فيه: وآخر ذلك في نار تخرج من قعر عدن تزجر الناس، وفي رواية تطرد الناس إلى محشرهم، وفي حديث آخر: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجار ويدل على أنها قبل يوم القيامة.
قوله: فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا.
وقال وفي بعض الروايات في غير مسلم فإذا سمعتم به فاخرجوا إلى الشام كأنه أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم.
قال المؤلف رحمه الله: وذكر الحليمي في منهاج الدين له من حديث ابن عباس وذكر أن ذلك في الآخرة فقال: يحمتل قوله عليه السلام: «تحشر الناس على ثلاث طرائق» إشارة إلى الأبرار والمخلطين والكفار، فالأبرار
هم الراغبون إلى الله تعالى فيما أعد لهم من ثوابه، والراهبون هم الذين بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما في الحديث على ما يأتي في هذا الباب، وأما المخلطون فهم الذين أرادوا في هذا الحديث، وقيل: إنهم يحملون على الأبعرة، وأما الفجار الذين تحشرهم النار فإن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة فتقيض لهم ناراً تسوقهم ولم يرد في هذا الحديث إلا ذكر البعير، فأما أن ذلك من إبل الجنة أو من الإبل التي تحيا وتحشر يوم القيامة، فهذا لم يأت بيانه.
والأشبه ألا يكون من نجائب الجنة لأن من خرج من جملة الأبرار فكان مع ذلك من جملة المؤمنين، فإنهم بين الخوف والرجاء أن من هؤلاء من يغفر الله تعالى ذنوبه فيدخل الجنة، ومنهم من يعاقبه بالنار، ثم يخرجه منها ويدخله الجنة.
وإذا كانوا كذلك لم يلق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم ينزل الله بعضهم إلى النار لأن من أكرمه الله بالجنة لم يهنه بعد ذلك بالنار.
قال: وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: [يحشر الناس] الحديث وفي آخره أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، فهذا إن ثبت مرفوعاً فالركبان هم المتقون السابقون الذين يغفر الله ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبهم إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة والآخرون على دواب سوى دواب الجنة، والصنف الثاني الذين يعذبهم الله بذنوبهم ثم يخرجهم من النار إلى
الجنة وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتاً ثم يركبوا أو يكونوا ركبانا فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان، والصنف الثالث المشاة على وجوههم هم الكفار، وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف مسلمون وهم ركبان، وصنفان من الكفار أحدهما العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم والآخرون الأتباع فهم يمشون على أقدامهم.
قال المؤلف رحمه الله: وإلى هذا القول ذهب أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة في قوله عليه السلام كيف تحشر الناس يا رسول الله؟ قال: «اثنان على بعير وخمسة على بعير وعشرة على بعير» ومعنى هذا الحديث والله أعلم أن قوماً يأتلفون في الإسلام برحمة الله يخلق الله لهم من أعمالهم بعيراً يركبون عليه، وهذا من ضعف العمل لكونهم يشتركون فيه كقوم خرجوا في سفر بعيد وليس مع واحد، منهم ما يشترى به مطية توصله فاشترك في ثمنها رجلان أو ثلاثة فابتاعوا مطية يتعقبون عليها في الطريق، ويبلغ بعير مع عشرة فاعمل هداك الله عملاً يكون لك به بعير خالص من الشركة، واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح فالمتقون وافدون كما قال الجليل:{يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} .
وفي غريب الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: «كان رجل من بني إسرائيل كثيراً ما يفعل الخير حتى إنه ليحشر فيكم قالوا له: وما كان يصنع قال: ورث من أبيه مالاً كثيراً فاشترى بستاناً فحبسه
للمساكين وقال هذا بستاني عند الله تعالى وفرق دانانير عديدة في الضعفاء وقال بهذا أشترى جارية من الله تعالى وعبيداً وأعتق رقاباً كثيرة وقال هؤلاء خدمي عند الله تعالى، والتفت ذات يوم لرجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي وتارة يكبو، فابتاع له مطية يسير عليها وقال هذه مطيتي عند الله تعالى أركبها والذي نفس محمد بيده لكأني أنظر إليه وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة يركبها تسير به إلى الموقف» .
قال المؤلف رحمه الله: ما ذكره القاضي عياض من أن ذلك في الدنيا أظهر والله أعلم لما في الحديث نفسه من ذكر السماء والمبيت والصباح والقائلة، وذلك ليس في الآخرة.
وقد احتج الترمذي «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفاً مشاة وصنفاً ركباناً وصنفاً على وجوههم قيل يا رسول الله: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك قال: هذا حديث حسن فقوله يتقون بوجوههم كل حدب وشوك يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة ذلك على ما يأتي من صفة أرض المحشر، والله أعلم.
وخرج النسائي عن أبي ذر قال: إن الصادق المصدوق حدثني
أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج فوجاً راكبين طاعمين كاسين، وفوجاً تسحبهم الملائكة على وجوههم، ويحشر الناس فوجاً يمشون ويسعون يلقى الله ألافه على الظهر فلا تبقى حتى إن الرجل لتكون له الحديقة يعطيها بذات القتب لا يقدر عليها.
وذكر عمر بن شيبة في كتاب المدينة على ساكنها السلام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان أين الناس فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس.
وهذا كله مما يدل على أن ذلك في الدنيا كما قال القاضي عياض، وأما الآخرة، فالناس أيضاً مختلفو الحال على ما ذكروه، وسنذكر من ذلك ما فيه كفاية في الباب بعد هذا.
والحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا إن شاء الله.
قال الله تعالى {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً} .
والرابع: حشرهم إلى الجنة والنار.
قال الله تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} أي ركباناً على النجب، وقيل: على الأعمال كما تقدم.
وقد وردت أخبار منها ما رواه النعمان سعد» عن
علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} قال: أما إنهم ما يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقاً ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم تنظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة، وسمي المتقون وفداً لأنهم يسبقون الناس إلى حيث يدعون إليه فهم لا يتباطئون، لكنهم يجدون ويسرعون والملائكة تتلقاهم بالبشارات.
قال الله تعالى {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} فيزيدهم ذلك إسراعاً وحق للمتقين أن يسبقوا لسبقهم في الدنيا بالطاعات {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} أي عطاشاً.
وقال {ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً} وقال: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً} وقال: {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً} .
مسلم «عن أنس أن رجلاً قال يا رسول الله: الذين يحشرون على وجوههم أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس الذي أمشاه على الرجلين قادراً أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا.
أخرجه البخاري أيضاً:
فصل: قال أبو حامد: وذكر هذا الفصل وفي طبع الآدمي إنكار ما لم يأنس وبه ولم يشاهده ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها لأنكر المشي