الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن عزيز رأسه في السها
…
ومن ذليل وجهه في التخوم
ومن صحيح شيدت أركانه
…
وآخر واهي المباني سقيم
كل على منهاجه سالك
…
ذلك تقدير العزيز العليم
وقال الربيع: سئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول:
ما شئت كان وإن لم أشأ
…
وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت
…
ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت
…
وهذا أغنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد
…
ومنهم قبيح ومنهم حسن
ومنهم غني ومنهم فقير
…
وكل بأعماله مرتهن
بالب ما جاء في رسل ملك الموت قبل الوفاة
ورد في الخبر: أن بعض الأنبياء عليهم السلام قال لملك الموت عليه السلام: أمالك رسول تقدمه بين يديك ليكون الناس على حذر منك؟ قال: نعم لي والله رسل كثيرة من الإعلال والأمراض والشيب والهموم وتغير السمع والبصر، فإذا لم يتذكر من نزل به ولم يتب، فإذا قبضته ناديته: ألم أقدم إليك رسولاً بعد رسول ونذيراً بعد نذير؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير.
فما من يوم تطلع فيه شمس ولا
تغرب إلا وملك الموت ينادي: يا أبناء الأربعين، هذا وقت أخذ الزاد، أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد.
يا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد.
با ابناء الستين نسيتم العقاب وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق.
وفي البخاري، «عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: أعذر الله إلى امرىء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة» يقال أعذر في الأمر أي بالغ فيه أي اعذر غاية الإعذار بعبده وأكبر الأعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم ليتم حجته عليهم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} وقال {وجاءكم النذير} قيل: هو القرآن.
وقيل: هو الرسل إليهم.
وعن ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن
الفضل والفراء والطبري قالوا: هو الشيب فإنه يأتي في سن الاكتهال.
فهو علامة لمفارقته سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب قال:
رأيت الشيب من نذير المنايا
…
لصاحبه وحسبك من نذير
وقال آخر:
تقول النفس غير لون هذا
…
عساك تطيب في عمر يسير
فقلت لها المشيب نذير عمري
…
ولست مسوداً وجه النذير
وقال آخر:
وقائلة: تخضب فالغواني
…
نوافر عن معاينة النذير
وللقاضي منذر بن سعيد البلوطي رحمة الله تعالى عليه:
كم تصابي وقد علاك المشيب
…
وتعامى جهلاً وأنت اللبيب
كيف تلهو وقد أتاك نذير
…
وشباك الحمام منك قريب
يا مقيماً قد حان منه رحيل
…
بعد ذاك الرحيل يوم عصيب
إن للموت سكرة فارتقبها
…
لا يداويك إذا أتتك طبيب
ثم تثوى حتى تصير رهيناً
…
ثم يأتيك دعوة فتجيب
بأمور المعاد أنت عليم
…
فاعلمن جاهداً لها يا أريب
وتذكر يوماً تحاسب فيه
…
إن من يذكر الممات ينيب
ليس في ساعة من الدهر إلا
…
للمنايا عليك فيها رقيب
كل يوم ترميك منها بسهم
…
إن يخطىء يوماً فسوف يصيب
وله أيضاً رضي الله عنه:
ثلاث وستون قد جزتها
…
فماذا تؤمل أو تنتظر
وحل عليك نذير المشيب
…
فما ترعوي أو فما تزدجر
تمر الليالي مراً حثصيثاً
…
وأنت على ما ألاى مستمر
فلو كنت تعقل ما ينقضي
…
من العمر لاعتضت خيراً بشر
فما لك ـ ويحك ـ لا تستعد إذن
…
لدار المقام ودار المقر
أترغب عن فجأة للمنون
…
وتعلم أن ليس منها وزر
فإما إلى الجنة أزلفت
…
وإما إلى سقر تستعر
وللفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي ذمنين رحمة الله تعالى آمين:
الموت في كل حين ينشر الكفنا
…
ونحن في غفلة عما يداوينا
لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها
…
وإن توشحت من أثوابها الحسنا
أين الأحبة والجيران ما فعلوا
…
أين الذين همو كانوا لنا سكنا
سقاهم الموت كأساً غير صافية
…
فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا
وروي أن ملك الموت دخل على داود عليه السلام فقال من أنت؟ فقال من لا يهاب الملوك ولاتمنع منه القصور ولا يقبل الرشا، قال: فإذا أنت ملك الموت قال: نعم.
قال: أتيتني ولم أستعد بعد؟ قال يا دواد أين فلان قريبك؟ أين فلان جارك؟ قال: مات، قال أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد.
وقيل: النذير الحمى.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «الحمى نذير الموت» أي رائد الموت.
قال الأزهري معناه أن الحمى رسول الموت أي كأنها تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه وقيل: موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان، وذلك إنذار الرحيل في كل وقت وأوان وحين وزمان.
قال:
وأراك تحملهم ولست تردهم
…
وكأني بك قد حملت فلم ترد
وقيل: كمال العقل الذي تعرف به حقائق الأمور.
ويفصل به بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته، ويرغب فيما عند ربه، فهو نذير، والنذير بمعنى الإنذار والإعذار قريب يعضه من بعض، وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثه الرسل إليهم ثم الشيب أو غيره كما بينا.
وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك المنيا وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية، ولقاء الله ففيه إعذار بعد إعذار، وإنذار بعد إنذار.
الأول: بالنبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: بالشيب وذلك عند كمال الأربعين، قال الله تعالى:{وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك} فذكر عز وجل: أن من بلغ الأربعين فقط أن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها.
قال مالك رحمه الله: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا
ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.
تنبيه: هذا الباب هو الأصل في إعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى، وكان هذا لطفاً بالخلق ولتنفيذ القيام عليهم بالحق.
حكي عن بعض العلماء أنه كان يميل إلى الراحات وكثيراً وكان يخلو في بستان له بأصحابه فلا يأذن لأحد سواهم فبينما هو في البستان إذ رأى رجلاً يتخلل الشجر فغضب وقال: من أذن لهذا وجاء الرجل فجلس أمامه، وقال: ما ترى في رجل ثبت عليه الحق فزعم أن له مدافعة تدفعه عنه؟ فقال ينظره الحاكم بقدر ما يرى.
قال السائل: قد ضرب له الحاكم أجلاً فلم يأت بمنفعة ولا أقلع عن اللدد والمدافعة: قال يقضي عليه.
قال فإن الحاكم رفق به وأمهله أكثر من خمسين سنة فأطرق الفقيه وتحدر عرق وجهه وذهب السائل، ثم إن العالم أفاق من فكرته فسأل عن السائل فقال البواب: ما دخل أحد عليكم ولا خرج من عندكم أحد: فقال لأصحابه انصرفوا فما كان يرى بعد ذلك إلا مجلس يذكر فيه العلم.
فصل: وقد رأيت أن أصل بهذه الحكاية حكايات في الشيب على سبيل الوعظ والتذكير والتخويف والتحذير.
حكي عن بعض المترفين أنه رفض ما كان فيه بغتة على غير تدريج، فسئل عن السبب فقال ما معناه: كانت لي أمة لا يزيدني طول الاستمتاع منها إلا غراماً بها فقلبت شعرها يوماً فإذا فيه شعرتان بيضاوان فأخبرتها فارتاعت: وقالت أرني فأريتها: فقالت {جاء الحق وزهق الباطل} ثم نظرت إلي وقالت: أعلم أنه لو لم تفترض علي طاعتك لما أويت إليك فدع لي ليلي أو نهاري لأتزود فيه لآخرتي، فقلت لا ولا كرامة.
فغضبت وقالت: أتحول بيني وبين ربي وقد آذنني بلقائه؟ اللهم بدل حبه لي بغضاً قال: فبت وماشيء أحب إلي من بعدها عني وعرضتها للبيع فأتاني من أعطاني فيها ما أريد، فلما عزمت على البيع بكت فقلت أنت أردت هذا، فقالت: والله ما اخترت عليك شيئاً من الدنيا هل لك إلى ما هو خير لك من ثمني؟ قلت: وما هو قالت: تعتقني لله عز وجل، فإن أملك لك منك لي وأعود عليك منك علي، فقلت: قد فعلت.
فقالت: أمضى الله صفقتك وبلغك أضعاف أملك وتزهدت فبغضت إلى الدنيا ونعيمها.
وقال عبد الله بن أبي نوح: رأيت كهلاً بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يتفض الغبار عن جدرانه فسألت عنه فقيل إنه من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأن له أولاداً وموالي ونعمة موفورة، وأنه اطلع في امرأته فصرخ وجن ولزم المسجد كما ترى.
وإذا أراد أهله أن يأخذوه ليداووه ويصونه هرب منهم وعاذ بالقبر المكرم فتركوه، فرقبته نهاراً فلم أرمنه اختلالا، ورقبته ليلاً فلما ذهب جنح من الليل خرج من المسجد فتبعته حتى أتى البقيع، فقام يصلي ويبكي حتى قرب طلوع الفجر، فجلس يدعو وجاءت إليه دابة لا أدري أشاة أم ظبية أم غيرها فقامت عنده وتفاجت فالتقم ضرعها فشرب ثم
مسح ظهرها وقال: اذهبي بارك الله فيك فولت تهرع فانسللت فسبقته إلى المسجد فأقمت ليالي أخرج بخروجه إلى البقيع ولا يشعر بي وسمعته يقول في مناجاته: اللهم إنك أرسلت إلي ولم تأذن لي فإن كنت قد رضيتني فائذن لي وإن لم ترضني فوفقني لما يرضيك قال: فلما حان رحيلي أتيته مودعاً فتهجمني فقلت: أنا صاحبك منذ ليال بالبقيع أصلي بصلاتك وأؤمن على دعائك قال: هل اطلعت على ذلك أحداً؟ قلت: لا.
قال: انصرف راشداً قلت: ما الرسول الذي أرسل إليك؟ قال: اطلعت في المرآة فرأيت شيبة في وجهي.
فعلمت أنها رسول الله إلي فقلت: ادع لي قال: ما أنا أهل لذلك، ولكن تعال
نتسول إلى الله برسوله فقمت معه تجاه القبر المكرم فقال ما حاجتك؟ قلت: العفو فدعا دعاء خفيفاً فأمنت، ثم مال على جدار القبر فإذا هو ميت فتنحيت عنه حتى فطن الناس له، وجاء أولاده ومواليه فاحتملوه وجهزوه وصليت عليه فيمن صلى.
ويقال أن ملكاً من ملوك اليونان استعمل على ملبسه أمة أدبها بعض الحكماء فألبسته يوماً ثيابه وأرته المرآة فرأى في وجهه شعرة بيضاء فاستدعى بالمقراض وقصها فأخذتها الأمة فقبلتها ووضعتها على كفها وأصغت بأذنها إليها، فقال لها الملك: إلى أي شيء تصغين؟ فقالت: إنني أسمع هذه المبتلاة بفقد كرامة قرب الملك تقول قولاً عجيباً قال: ما هو؟ فالت: لا يجترى لساني على النطق به.
قال: قولي وأنت آمنة ما لزمته الحكمة.
قالت ما معناه أنها تقول: أيها الملك المسلط إلى أمد قريب إني خفت بطشك بي فلم أظهر حتى عهدت إلى بناتي أن يأخذن بثأري، وكأنك بهن قد خرجن عليك فإما أن يعجلن إلفتك بك وإما أن بنقصن شهوتك وقوتك وصحتك حتى تعد الموت غنماً فقال: اكتبي كلامك فكتبته فتدبره، ثم نبذ ملكه في حديث، وهذا المقصود منه
وفي معناه قيل:
وزائرة للشيب لاحت بمفرقي
…
... فبادرتها خوفاً من الحتف بالنتف
فقالت: على ضعفي استطعت، ووحدتي
…
... رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي وفي الاسرائيليات أن إبراهيم الخليل لما رجع من تقريب ولده إلى ربه عز وجل رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء، ومان عليه السلام أول من شاب على وجه الأرض فأنكرتها وأرته إياها فجعل يتأملها وأعجبته وكرهتا سارة، وطالبته بإزالتها فأبى، فأتاه ملك الموت.
فقال: السلام عليك يا إبراهيم وكان اسمه ابرام فزاده في اسمه هاء والهاء في السريانية للتفخيم والتفظيم، ففرح بذلك فقال: أشكر إلهي وإله كل شيء.
فقال له الملك: إن الله قد صيرك معظماً في أهل السموات وأهل الأرض وقد وسمك بسمة أهل الوقار في اسمك وفي خلقك.
أم اسمك فإنك تدعى في أهل السماء وأهل الأرض إبراهيم، وأما خلقك فقد أنزل وقاراً ونوراً على شعرك.
فأخبر سارة بما قال له الملك وقال هذا الذي كرهتيه نور ووقار، قالت: إني كارهة له.
قال: لكني أحبه اللهم زدني نوراً ووقاراً فأصبح وقد ابيضت لحيته كلها.
وفي الآثار النبوية: من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة.