الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن العربي: إنه كذلك عند العرب، وأما ملك الملوك القدوس الصادق فلا يقع أبداً خبره إلا على وفق مخبره كان ثوابا أو عقاباً، فالذي قال المحققون في ذلك قول بديع، وهو أن الآيات وقعت مطلقة في الوعد والوعيد عامة فخصصتها الشريعة، وبينها الباري تعالى في كتابه في آيات أخر، كقوله:{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقوله تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} الآية وكقوله تعالى: {حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو} وبالشفاعة التي أكرم الله بها صلى الله عليه وسلم ومن شاء من الخلق من بعده.
باب ما جاء أن الله تعالى يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان
مسلم «عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أيسر منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة» زاد ابن حجر قال الأعمش: وحدثني عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي مثله وزاد فيه «ولو بكلمة طيبة» .
أخرجه البخاري والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ابن المبارك قال: «أخبرنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة،
عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجاء بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول له: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته فتركته أكثر ما كان فارجعني آتيك به فيقول الله تعالى: أرني ما قدمت.
فيقول: فإذا عبد لم يقدم خيراً فيمضي به إلى النار» .
خرجه ابن العربي في سراج المريدين وزاد فيه بعد قوله كأنه بذج.
وقال فيه حديث صحيح من مراسيل الحسن، وقال الهروي كأنه بدوج من الذل.
قال أبو عبيد: هو ولد الضأن وجمعه بدجان.
وقال الجوهري: البدوج من الضأن بمنزلة العقود من أولاد المعز وأنشدوا:
قد هلكت جارتنا من الهمج
…
وإن تجع تأكل عقوداً أو بدج
قلت: وقوله: ما منكم من أحد مخصوص بما ذكرناه في الباب قبل أي ما منكم ممن لا يدخل الجنة بغير حساب من أمتي إلا وسيكلمه الله، والله أعلم فتكفر في عظيم حياتك إذا ذكرك ذنوبك شقاها إذ يقول: يا عبدي أما استحييت مني فبارزتني بالقبح واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل أكنت أهون عليك من سائر عبادي استخففت بنظري إليك فلم تكترث به، واستعظمت نظر غيري ألم أنعم عليك فماذا غرك بي؟ .
وعن ابن مسعود قال: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ثم يقول يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا
عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ يا ابن آدم ألم أكن رقيباً على عينيك وأنت تنظر بهما إلى ما لا يحل لك ألم أكن رقيباً على أذنيك؟ وهكذا عن سائر الأعضاء فكيف ترى حياءك وخجلك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك؟ فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك، فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء إلا أن الله وعد المؤمن أن يستر عليه، ولا يطلع عليه غيره كما ذكرنا، وذلك بفضل منه.
وهل يكلم الكفار عند المحاسبة لهم؟ فيه خلاف تقدم بيانه في أسماء القيامة.
ويأتي أيضاً في باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما، ولقائهما بالله عز وجل مستوفي إن شاء الله تعالى.
فصل: فإن قيل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم مجزيون محاسبون، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء فما القول في ذلك عندكم، وهل يكلمهم الله؟ فالجواب أن الله تعالى أخبر أن الإنس والجن يسألون فقال خبراً عما يقال لهم {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} الآية وهذا سؤال فإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل، قال منكم، وإن كانت الرسل من الإنس وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث،
وأيضاً لما كان الحساب عليهم دون الخلق قال منكم فصير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن الثقلين قد ضمتهما عرضة القيامة، فلما صاروا في تلك العرضة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة لأن بدء خلقهم للعبودية، كما قال تعالى:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} والثواب والعقاب على العبودية إلا أن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب وخلقهم غير خلقنا، ومنهم مؤمن وكافر، وعدونا إبليس عدو لهم يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم، وفيهم أهواء شيعية وقدرية ومرجئة، وهو معنى قوله:{كنا طرائق قدداً} .
وقيل: إن الله تعالى لما قال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجنة لعموم الآية ما ثبت للإنس.
فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الجنة مع الإنس في الوعيد وترك إفراده الإنس عنهم في الوعد؟ .