الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على سطح فرأى ناساً يتحملون من الطاعون فقال: يا طاعون خذني إليك يقولها ثلاثاً فقال عليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت فإنه عند ذلك انقطاع عمله ولا يرد فيسعتب» فقال أبو عباس: «أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بادروا بالموت ستا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم، وقطيعة الرحم، ونشئاً يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليغنيهم بالقرآن وإن كان أقلهم فقهاً» .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في الفتن ـ إن شاء الله تعالى.
باب ذكر الموت والاستعداد له
النسائي «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هادم اللذات» يعني الموت.
أخرجه ابن ماجه والترمذي أيضاً.
وخرجه أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس «عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات قلنا يا رسول الله: وما هادم اللذات؟ قال: الموت» .
وسيأتي في الفتن ـ إن شاء الله تعالى.
الترمذي «عن شداد بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت.
والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله» .
وروي عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر الموت.
فإنه يمحص الذنوب، ويزهد في الدنيا»
وروي عنه عليه السلام أنه قال: «كفى بالموت واعظاً وكفى بالموت مفرقاً» .
وقيل له يا رسول الله: «هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: نعم، من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة» .
وقال السدي في قوله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} أي أكثركم للموت ذكراً، وله أحسن استعداداً ومنه أشد خوفاً وحذراً.
فصل: قال علماؤنا رحمة الله عليهم.
«قوله عليه السلام: أكثروا ذكر هادم اللذات الموت» كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله عليه الصلاة والسلام:«أكثروا ذكر هادم اللذات» مع قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت}
ما يكفي السامع له، ويشغل الناظر فيه وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
…
يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه
…
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له
…
والإنس والجن فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت لعزتها
…
من كل أوب إليها وافد يفد؟
حوض هنالك مورود بلا كذب
…
لا بد من ورده يوماً كما وردوا
فصل: إذ ثبت ما ذكرناه.
فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة.
فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم.
والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسعة فذكر الموت يمنعه من
الاغترار بها، والسكون إليها، لقطعه عنها.
ولقد أحسن من قال:
اذكر الموت هادم اللذات
…
وتجهز لمصرع سوف يأتي
وقال غيره:
واذكر الموت تجد راحة
…
في إذكار الموت تقصير الآمل
وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم.
وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعداً لذلك.
وكان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل.
الرحيل.
فلما توفي فقد صوته أمير المدينة فسأل عنه.
فقيل: إنه قد مات فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذكره
…
حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه متيقظاً متشمراً
…
ذا أهبة لم تلهه الآمال
وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد، من ذا يترضى عنك ربك الموت؟ ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من الموت طالبه والقبر بيته.
والتراب فراشه.
والدود أنيسه.
وهو
مع هذا ينتظر الفزع الأكبر يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشياً عليه.
وقال التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت.
وذكر الموقف بين يدي الله تعالى.
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يجمع العلماء فيتذاكرون الموت، والقيامة، والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياماً.
فإن سئل عن شيء قال: لا أدري لا أدري.
وقال أسباط: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل فأثنى عليه فقال عليه السلام: «كيف ذكره للموت؟ فلم يذكر ذلك عنه.
فقال: ما هو كما تقولون» .
وقال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة وقناعة القلب، ونشاط العبادة.
ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة، فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيما للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مقرحاً للقلوب، ومبكياً للعيون، ومفرقاً للجماعات، وهادماً للذات، وقاطعاً للأمنيات، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى عرر، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان ليس لك والله
من مال إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب وجسمك للتراب والمآب.
فأين الذي جمعته من المال؟ فهل أنقذك من الأهوال؟ كلا بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك.
ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا، الدار الآخرة وهي الجنة، فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء والتجبر والبغي، فكأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله:
…
رداءان تلوى فيهما، وحنوط
وقال آخر:
هي القناعة لا تبغي بها بدلاً
…
فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها
…
هل راح منها بغير القطن والكفن؟
فصل: وقوله عليه الصلاة والسلام: «الكيس من دان نفسه» دان حاسب.
وقيل: ذل.
قال أبو عبيد: دان نفسه: أي أذلها واستعبدها.
يقال: دنته أدينه، إذ ذللته فيذل نفسه في عبادة الله سبحانه وتعالى، عملاً يعده لما بعد الموت، ولقاء الله تعالى، وكذلك يحاسب نفسه على ما فرط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره، بصالح عمله، والتنصل من سالف زلله، وذكر الله تعالى وطاعته في جميع أحواله.
فهذا هو الزاد ليوم المعاد.
والعاجز ضد الكيس.
والكيس: العاقل، والعاجز: المقصر في الأمور، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه متمن على الله أن يغفر له.
وهذا هو الاغترار فإن الله تعالى أمره ونهاه، وقال الحسن البصري: [إن قوماً آلهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي.
وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل] وتلا قوله تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} .
وقال سعيد بن جبير: [الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة] .