الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم ـ أبواب الجنة وما جاء فيها وفي صفتها ونعيمها
وصف الله تعالى الجنات في كتابه وصفاً يقوم العيان في غير ماسورة من القرآن، وأكثر ذلك في سورة الواقعة والرحمن، وهل أتاك حديث الغاشية وسورة الإنسان، وذلك أيضاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأوضاح بيان، فنذكر من ذلك ما بلغنا في الأخبار الصحاح والحسان.
وعن السلف الصالح أهل الفضل والإحسان رضي الله عنهم وحشرنا معهم آمين.
باب صفة أهل الجنة في الدنيا
قال ابن وهب سمعت ابن زيد يقول: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله عز وجل {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه فقال: {إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور * بلى} وقد تقدم من صفة أهلها ما فيه كفاية والحمد لله وحده.
باب منه ـ وهل تفضل جنة جنة
؟
قال الله تعالى {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ثم وصفهما، ثم قال بعد ذلك {ومن دونهما جنتان} وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى {ولمن خاف مقام ربه جنتان} أي بعد أداء الفرائض جنتان، قيل: على
حدة، فلكل خائف جنتان.
وقيل: جنتان لجميع الخائفين، والأول أظهر.
قال الترمذي محمد بن علي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه لشهوته، والمقام الوضيع، أي: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية، وقيل: خاف قيام ربه عليه، أي: إشرافه واطلاعه عليه، بيانه:{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} .
وقال مجاهد والنخعي: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه.
وروي «عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الجنتان بستنان في عرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام، في وسط كل بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز نعمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها نابت» ذكره الهروي والثعلبي أيضاً من حديث أبي هريرة، وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها.
وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم.
وقوله {ومن دونهما جنتان} قال ابن عباس: أي وله من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان، قال ابن عباس: ومن دونهما، أي في الدرج، والجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في الأوليين، النخل والشجر، وفي الأخريين: الزرع والنبات وما انبسط.
قال الماوردي: ويحتمل أن يكون {ومن دونهما جنتان} لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين،
والأخرى للولدان المخلدين ليتميز فيها الذكور من الإناث.
وقال ابن جريج هي أربع جنان: جنتان منها للسابقين المقربين فيهما من كل فاكهة زوجان وعينان تجريان، وجنتان لأصحاب اليمين فيهما فاكهة ونحل ورمان وفيهما عينان تضاختان، وقال ابن زيد: الأوليان من ذهب للمقربين، والأخريان من ورق لأصحاب اليمين.
قال المؤلف رحمه الله: وإلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب منهاج الدين له واحتج لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، {ولمن خاف مقام ربه جنتان} إلى قوله {مدهامتان} قال: هاتان للمقربين وهاتان لأصحاب اليمين، وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك.
ولما وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما: فقال في الأولين {فيهما عينان تجريان} وفي الأخريين {فيهما عينان نضاختان} أي فوارتان بالماء، لكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ دون الجري، وقال {فيهما من كل فاكهة زوجان} معروف وغريب أو رطب ويابس، فعم ولم يخص، وفي الأخريين {فيهما فاكهة ونخل ورمان} ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين {متكئين على فرش بطائنها من إستبرق} وهو الديباج، وفي الأخريين {متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان} .
والعبقري: الوشي.
ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كسر الخباء ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء، وقال في الأولييم في صفة الحور العيم {كأنهن الياقوت والمرجان} ، وفي الأخريين {فيهن خيرات حسان}
وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان، وقال في الأوليين {ذواتا أفنان} وفي الأخريين {مدهامتان} أي خضروان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان.
ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدناه، قوله {ومن دونهما جنتان} ولعل ما لم يذكره من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر.
فإن قيل كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟ قال: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه، إلا أن الخائفين لهم مراتب، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصر حاله في الخوف من الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله: فهذا قول، والقول الثاني أن الجنتين في قوله تعالى:{ومن دونهما جنتان} أعلى وأفضل من الأوليين، ذهب إلى هذا الضحاك، وأن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة، والأخريين من ياقون وزمرد.
وقوله: {ومن دونهما جنتان} أي ومن أمامهما ومن قبلهما، وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله محمد الترمذي الحكيم في: نوادر الأصول وقال: ومعنى {ومن دونهما جنتان} أي دون هاتين إلى العرش أي أقرب وأدنى إلى العرض، وقال مقاتل الجنتان الأوليان: جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى.
قال المؤلف رحمه الله: ويدل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا
سألتم الله فاسألوه الفردوس» ، الحديث، وسيأتي.
قال الترمذي: وقوله {فيهما عينان نضاختان} أي بألوان الفواكه والنعيم والجواري المزينات، والدواب المسرجات والثياب الملونات وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري.
قال المؤلف رحمه الله: على هذا تدل أقوال المفسرين: روي عن ابن عباس نضاختان: أي فوارتان بالماء، والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء، وعنه أيضاً أن المعنى نضاختان بالخير والبركة، قاله الحسن ومجاهد، وعن ابن عباس أيضاً وابن مسعود: تنضخ على أولياء بالمسك والكافور والعنبر في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر وقال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه والماء.
وقوله: فيهما {فاكهة ونخل ورمان} قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وهذا ظاهر الكلام، وقال الجمهور: هما من الفواكه، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما على الفواكه، كقوله تعالى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وقوله {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} وقيل إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت
بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليها.
وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، وإنما ذكر الفواكه ثم ذكر النخل والرمان لعمومها وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاهما من بلاد اليمين، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها.
وقوله: {فيهن خيرات حسان} يعني النساء والواحدة خيرة، قاله الترمذي: الخيرة ما اختارهن الله فأبدع خلقهن باختياره، واختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين، ثم قال حسان فوصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الشيء شيئاً بالحسن فمن ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن؟ فانظر ما هنالك، وفي الأوليين ذكر بأنهن قاصرات الطرف وكأنهن الياقوت والمرجان، فانظركم بين الخيرة وهي مختارة الله وبين قاصرات الطرف؟ ثم قال {حور مقصورات في الخيام} وقال في الأوليين:{فيهن قاصرات الطرف} قصران طرفهن على الأزواج، ولم يذكر أنهن مقصورات: فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل.
وقد بلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار، سعتها أربعون ميلاً وليس لها باب، حتى إذا حل ولى الله بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها وهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين والله أعلم.
ثم قال: {متكئين على رفرف خضر} اختلف في الرفرف، ما هو؟ فقيل: كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها، الواحدة رفرفة.
وقيل: الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاج يميناً وشمالاً، ورفعاً وخفضاً.
يتلذذ به مع أنيسته واشتقاقه على هذا من رف يرف إذا ارتفع، ومنه
رفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء، وربما سمي الظليم رفرفاً بذلك، لأنه يرف بجناحيه ثم يعدو.
ورفرف الطائر أيضاً إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه.
قال الترمذي الحكيم: فالرفرف أعظم خطراً من العرش، وذكر في الأوليين:{متكئين على فرش بطائنها من إستبرق} وقال هنا {متكئين على رفرف خضر} فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به، أي طار هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح.
وروي لنا «حديث المعراج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى سند العرش، فذكر أنه طار بي ويخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي ثم لما حان الأنصراف تناوله فطار به خفضاً ورفعاً يهوي به حتى أدله إلى حبريل صلوات الله عليهما» ، وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد، والرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو والقربة، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء صلوات الله عليهم مخصوصة بذلك في أرضه.
فهذا الرفرف الذي سخره الله لأجل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان.
ثم قال: {وعبقري حسان} والعبقري: ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش: إنها حسان، فما ظنك بتلك العباقر، والعبقري: قرية من ناحية اليمن فيما بلغنا ينسج فيها بسط منقوشة، فذكر الله ما خلق في تلك الجنتين من البسط المنقوشة الحسان والرفرف الخضر.
إنما ذكر لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هنا، فبان تفاوت هاتين الجنتين.