الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرأيت في منامي كأن القيامة قد قامت وكأن الناس يحاسبون، فقوم يمضي بهم إلى الجنة وقوم يمضي بهم إلى النار قال: فأتيت إلى الجنة فناديت أهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنة في محل الرضوان؟ فقالوا: بطاعة الرحمن ومخالفة الشيطان، ثم أتيت إلى باب النار فناديت يا أهل النار: بماذا نلتم النار؟ قالوا: بطاعة الشيطان ومخالفةالرحمن.
قال: فنظرت فإذا أنا بقوم موقوفون بين الجنة والنار، فقالوا لي: لنا ذنوب جلت وحسنات قلت، فالسيئات منعتنا من دخول الجنة والحسنات منعتنا دخول النار وأنشدوا:
نحن قوم لنا ذنوب كبار
…
منعتنا من الوصول إليه
تركتنا مذبذبين حيارى
…
أمسكتنا من القدوم عليه
باب إذا كان يوم القيامة تتبع كل أمة ما كانت تعبد فإذا بقي في هذه الأمة منافقون امتحنوا وضرب الصراط
وخرج مسلم «أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في القمر ليلة البدر
قالوا: لا يا رسول الله.
قال هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا.
قال: فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيث، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان.
هل رأيتم السعدان؟ قالوا نعم يا رسول الله.
قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى» وذكر الحديث وسيأتي.
فصل: ذكر الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب الإرشاد له بعد قوله: يفهم رؤوس المحشر لطلب من يشفع ويريحهم مما هم فيه، وهم رؤوساء أتباع الرسل فيكون ذلك، ثم يؤمر آدم عليه السلام بأن يخرج بعث النار من ذريته، وهم سبعة أصناف البعثان الأولان يلتقطهم عنق النار من بين الخلائق لقط الحمام حب السمسم وهم أهل الكفر بالله جحدوا وعتوا، وأهل الكفر بالله إعراضاً وجهلاً، ثم يقال لأهل الجمع: أين ما كنتم تعبدون من دون الله لتتبع كل أمة ما
كانت تعبد فمن كان يعبد من دون الله شيئاً اتبعه حتى يقذف به في جهنم، قال الله عز وجل:{هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون} وقال: {فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمد الأرض مد الأديم يوم القيامة لعظمة الله عز وجل.
ثم لا يكون لبشر من بني آدم منها إلا موضع قدميه، ثم ادعى أنا أول الناس فأخر ساجداً، ثم يؤذن لي فأقول يا رب: خبرني هذا جبريل صلى الله عليه وسلم وهو عن يمين عرش الرحمن تبارك وتعالى أنك أرسلته إلي وجبريل ساكت لا يتكلم حتى يقول الله عز وجل صدق، ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أقطار الأرض فذلك المقام المحمود، ثم يبعث المقام المحمود، ثم يبعث البعث الرابع وهم قوم وحدوا الله وكذبوا المرسلين جهلوا صفات الله جل جلاله، وردوا عليه كتابه ورسله، ثم يبعث البعث الخامس والسادس وهم أهل الكتابين يأتون عطاشاً يقال لهم: ما كنتم تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا رب فاسقنا، فيقال لهم: ألا ترون فيشار لهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً فيردونها سقوطاً فيها، ثم تقع المحنة بالمنافقين والمؤمنين في معرفة ربهم وتميزه من المعبودات من دونه فيذهب الله المنافقين ويثبت المؤمنين، ثم ينصب الصراط مجازاً على متن جهنم أعادنا الله منها أرق من الشعر وأحد من الموسى كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسقط أهل البدع في الباب السادس منه أو الخامس، وأهل الكبائر في السابع أو السادس، وإنما يسقط الساقط بعدما يعجز عن عمله
ويخلص المؤمنون على درجاتهم في تفاوتهم في النجاة ويحبسون على قنطرة بين الجنة والنار يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا صفوا وهذبوا، أدخلوا الجنة، ومن ذلك المقام يوقف أصحاب الأعراف» .
قال المؤلف: هكذا ذكر الترتيب وهو ترتيب حسن، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
فصل: قوله: «هل تضارون» بضم التاء وفتحها وبتشديد الراء وتخفيفها، وضم التاء وتشديد الراء أكثر، وأصله تضارون أسكنت الراء الأولى وأدغمت مع الثانية وماضيه ضورر على ما لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون مبيناً للفاعل بمعنى تضاررون بكسر الراء إلا إنها سكنت الراء وأدغمت وكله من الضر المشدد، وأما التخفيف فهو من ضاره يضيره ويضوره مخففاً.
والمعنى أن أهل الجنة إذا امتن الله عليهم برؤيته سبحانه تجلى لهم ظاهراً بحيث لا يحجب بعضهم بعضاً ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله كما يفعل عند رؤية الأهلة، بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه.
وقد روى تضامون من المضامكة وهي الازدحام أيضاً.
أي لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلة.
وروي تضامون بتخفيف الميم من الضيم الذي هو الذل أي لا يذل بعضكم بعضاً بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة، وسيأتي هذا المعنى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أبواب الجنة إن شاء الله تعالى.
قوله: فإنكم ترونه كذلك هذا تشبيه للرؤية وحالة الرائي لا المرئي، لأن الله سبحانه لا يحاط به وليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء.
وقوله: فيأيتهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون هذا موضع الامتحان ليميز المحق من المبطل وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراؤون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين زاعمين أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم.
امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة قالت الجميع أنا ربكم.
فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله عز وجل في دار الدنيا وأنه منزه عن صفات هذه الصور إذ سماتها سمات المحدثين.
ولهذا قال في حديث أبي سعيد الخدري فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً مرتين أو ثلاثاً حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب.
قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب المفهم لشرح اختصار مسلم كتاب مسلم، وهذا لمن لم يكن له رسوخ العلماء، ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وجزموا عليه من غير بصيرة ولذلك كان اعتقادهم قابلاً للانقلاب.
والله أعلم.
قلت: ويحتمل أن يكونوا المنافقين والمرائين وهو أشبه والله أعلم.
لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك لأن في حديث أبي
سعيد بعد قوله حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفوه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوا فيها فيقول: أنا ربكم؟ فيقولون: أنت ربنا.
ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، وسيأتي قوله: فيأتيهم الله في صورة التي يعرفون أي يتجلى لهم في صفته التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد أن رفع الموانع عن أبصارهم.
فيتبعونه.
أي يتبعون أمره أو ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة.
والله أعلم.
والدعوى: الدعاء.
قال الله تسبحاته وتعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهم} أي دعاؤهم
والكلاليب: جمع كلوب.
والسعدان: نبت كثير الشوك شوكه كالخطاطيف والمحاجن ترعاه الإبل فيطيب لبنها.
تقول العرب: مرعى ولا كالسعدان.
والموبق: المهلك أوبقه ذنبه: أهلكه.
ومنه الحديث: اجتنبوا السبع الموبقات.
وقوله تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا} والمجازى: الذي جوزء بعمله.
وقوله: {يكشف عن ساق} كشف الساق عبارة عن معظم الأمر وشدته ذكره ابن المبارك قال: أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: يوم كرب وشدة.
أخبرنا ابن جريج عن مجاهد قال: شدة الأمر وجده.
قال مجاهد وقال ابن عباس هي أشد ساعة في القيامة.
وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل: كشف الأمر عن ساقه.
والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمر عن سقاه فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة وكذا قال القتبي.
قال: يوم يكشف عن ساق هذا من الاستعار فسمي الشدة ساقاً، لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمر في ساقه فاستعيرت في موضع شدة
قال الشعر:
وكنت إذا جاري دعا لمصيبة
…
أشمر حتى ينصف الساق مئزري
وقال آخر:
فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها
…
وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
وقال آخر يصف سنة شديدة:
قد شمرت عن ساقها
وقال آخر:
كشفت لهم عن ساقها
…
وبدا من الشر البراح
وقال آخر:
أبشر عناق.
إنه شر باق.
قد سن لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق.
والشعر في هذا المعنى كثير:
وقيل: يكشف عن شاق جهنم، وقيل: عن ساق العرش.
فأما ما روي أن الله تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة، فيسجد له كل
مؤمن ومؤمنة كما في صحيح البخاري، فإنه تعالى على التبعيض والأعضاء، وأن ينكشف ويتغطى، ومعناه أي يكشف على العظيم من أمره.
وقال الخطابي: إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة، فيحتمل أن يكون معنى الحديث أنه يبرز من أهوال القيامة وشدتها ما يرتفع معه سواتر الأمتحان، فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص، فيؤذن لهم في السجود، وينكشف الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقاً واحداً لا يستطيعون السجود قال: وقد تأوله بعض الناس فقال: لا ينكر أن يكون الله سبحانه قد يكشف لهم عن ساق لبعض المخلوقين من ملائكته أو غيرهم، فيجعل ذلك سبباً لبيان ما شاء من حكمه في أهل الإيمان وأهل النفاق.
قال الخطابي: وفيه وجه آخر لم أسمعه من قدوة وقد يحتمله معنى اللغة.
سمعت أبا عمر يذكر عن أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي فيما عدة
من المعاني المختلفة الواقعة تحت هذا الاسم، قال: والساق النفس، ومنه قول علي رضي الله عنه حين راجعه أصحابه في قتل الخوارج فقال: والله لأقاتلنهم حتى ولو تلفت ساقي يريد نفسه.
وقال أبو سليمان، وقد يحتمل على هذا أن يكون المراد التجلي لهم وكشف الحجب عن أبصارهم حتى إذا رأوه سجدوا له قال: ولست أقطع به القول، ولا أراه واجباً فيما أذهب إليه من ذلك.
قال المؤلف: هذا القول أحسن الأقوال إن شاء، وقد جاء فيه حديث حسن ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسير سورة ن والقلم، فقال:«حدثنا الخليل بن أحمد: حدثنا ابن منيع قال: حدثنا هدبة قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي عن أبي بردة بن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قال قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره، قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبيه له، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجداً، وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى {يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} فيقول الله تعالى: عبادى ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم من اليهود والنصارى في النار» .
قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو فحدثك أبوك بهذا الحديث، فحلفت له ثلاث أيمان فقال عمر: ما سمعت من أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا.
قال المؤلف: فهذا الحديث يبين لك معنى كشف الساق وأنه عبارة عن رؤيته سبحانه وهو معنى ما في صحيح مسلم، والحديث يفسر بعضه بعضاً فلا إشكال فيه، والحمد لله.
وقد ذكر البيهقي «عن روح بن جناج عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} ، قال: عن نور عظيم يخرون له سجداً» تفرد به روح بن جناح، وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها، وموالي عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة.
قال المؤلف: الحديث الذي قبله أبين وأصح إسناداً فليعول عليه.
وقد هاب الإمام أبو حامد الغزالي القول فيه وأشفق من تأويله، فقال في كتاب كشف علم الآخرة: ثم يكشف الجليل عن ساقه فيسجد الناس كلهم تعظيماً له وتواضعاً إلى الكفار الذين قد أشركوا به أيام حياتهم وعبدة الحجارة والخشب وما لم ينزل به سلطاناً، فإن صياصي أصلابهم تعود حديداً فلا يقدرون على السجود وهو قوله تعالى:{يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} .
«وروي