الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَعَهُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْتُ عَلَيَّ حَقًّا أَنْ أَبِلِّغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ، فَاكْتُمُوا عَنِّي، فَقَالُوا: نَفْعَلُ، قَالَ: تَعْلَمُوا أَنَّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ: إِنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطفانَ، رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فنعْطِيكَهُمْ، فتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ نَكُونُ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ: أَنْ نَعَمْ.
فَإِنْ بَعَثَتْ إِلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا.
ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمٌ رضي الله عنه حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إِنَّكُمْ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتَّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، قَالَ: فَاكْتُمُوا عَنِّي، قَالُوا: نَفْعَلُ فَمَا أَمْرُكَ؟
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشٍ، وَحَذَّرَهُمْ مَا حَذَّرَهُمْ.
*
وُقُوعُ الْخِلَافِ وَالْفُرْقَةِ بَيْنَ الْأَحْزَابِ:
وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَرُؤُوسُ غَطَفَانَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: عِكْرَمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فِي نَفَرَيْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا لَسْنَا
بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفُّ (1) وَالْحَافِرُ (2)، فَاغْدُوا (3) لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، وَنَفْرَغَ مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمٌ لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ (4)، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِالذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُوُنونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا، حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّا نَخْشَى إِنْ ضَرَّسَتْكُم (5) الحَرْبُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَنْ تَنْشَمِرُوا (6) إِلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا وَالرَّجُلُ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ.
فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطفانُ: وَاللَّهِ إِنَّ الذِي حَدَّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، فَأَرْسَلُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَدْفَعُ إِلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا، فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتِ الرُّسُلُ إِلَيْهِمْ بِهَذَا: إِنَّ الذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، مَا يُرِيدُ القوْمُ إِلَّا أَنْ تُقَاتِلُوا فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ،
(1) أراد بالْخُفِّ: الْإِبِلَ. انظر النهاية (2/ 53).
(2)
الحَافِرُ: الخَيْلَ؛ لأنَّ الفرسَ بشدَّةِ دَوْسِهَا تَحْفُرُ الأرضَ. انظر النهاية (1/ 390).
(3)
الغَدْوَةُ: سَيْرُ أولِ النَّهارِ. انظر النهاية (3/ 311).
(4)
الذي أصابهم هو أن حولهم اللَّه سبحانه وتعالى إلى قردة وخنازير، كما ذكر سبحانه وتعالى ذلك في سورة البقرة آية (65 - 66)، وسورة الأعراف آية (163 - 166).
(5)
ضَرَّسَتْهُ الحُرُوبُ تُضَرِّسُهُ ضَرَسًا: عضته. انظر لسان العرب (8/ 51).
(6)
الانْشِمَارُ والاشْتِمَارُ: الْمُضِيُّ والنُّفُوذُ. انظر لسان العرب (7/ 191).