الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، أَوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الذِي فِي الأَبْيَضِ"(1).
4 - كِتَابُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى المُقَوْقِسِ مَلِكِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلْتَعَةَ رضي الله عنه، إلى المُقَوْقِسِ عَظِيمِ القِبْطِ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَاسْمُهُ جُرَيْجُ بنُ مِينَاءَ، يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَكتَبَ مَعَهُ كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولهِ، إلى المُقَوْقِسِ عَظِيِم القِبْطِ، سَلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ، {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ".
فَلَمَّا انْتَهَى الكِتَابُ إلى المُقَوْقِسِ، أخَذَهُ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ قَرَأَهُ، وَأَكْرَمَ حَاطِبًا وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ وَقَدْ جَمَعَ بَطَارِقَتَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَأُكَلِّمُكَ بِكَلَامٍ وَأُحِبُّ أَنْ تَفْهَمَهُ مِنِّي.
(1) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (18/ 34): قوله صلى الله عليه وسلم: "الأبْيَضُ" أىِ الذي في قَصْرِهِ الأبيض.
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل - رقم الحديث (2919)(78).
قَالَ حَاطِبٌ: هَلُمَّ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَاحِبِكَ أَلَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ؟
قَالَ حَاطِبٌ: بَلَى، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَقَالَ المُقَوْقِسُ: فَمَالَهُ حَيْثُ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَدْعُ عَلَى قَوْمِهِ حَيْثُ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَلَدِهِ إلى غَيْرِهَا؟
فَقَالَ لَهُ حَاطِبٌ: أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمَالَهُ حِينَ أَخَذَهُ قَوْمُهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ أَلَّا يَكُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ عز وجل، حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ في السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟
فَقَالَ المُقَوْقِسُ: أَنْتَ حَكِيمٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ.
ثُمَّ كَتَبَ المُقَوْقِسُ كِتَابًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَعْطَاهُ حَاطِبًا قَالَ فِيهِ:
قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي القِبْطِ عَظِيمٌ، وَقَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ كِسْوَةً، وَبَغْلَةً تَرْكَبُهَا، وَاسْمُ هَذِهِ الْبَغْلَةِ "دُلْدُلٌ".
وَلَمْ يَزِدِ المُقَوْقِسُ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يُسْلِمْ، وَرَجَعَ حَاطِبٌ رضي الله عنه إِلَى المَدِينَةِ، وَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلَ المُقَوْقِسِ، فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: "ضَنَّ (1) الخَبِيثُ
(1) ضَنَّ: بفتح الضاد وتشديد النون: يعني بَخِلَ. انظر النهاية (3/ 95).
بِمُلْكِهِ، وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ"، وَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَدِيَّتَهُ، وَأَخَذَ الجَارِيَتَيْنِ وَهُمَا مَارِيَةُ وَأُخْتُهُا سِيرِينُ (1).
رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ القَارِي قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُقَوْقِسِ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ -يَعْنِي بِكِتَابِهِ مَعَهُ إِلَيْهِ- فَقَبَّلَ كِتَابَهُ، وَأَكْرَمَ حَاطِبًا، وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ، ثُمَّ سَرَّحَهُ (2) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَهْدَى لَهُ مَعَ حَاطِبٍ كِسْوَةً وَبَغْلَةً شَهْبَاءَ بِسَرْجِهَا، وَجَارِيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: أُمُّ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا الأُخْرَى، فَوَهَبَهَا لِجَهْمِ بنِ قَيْسٍ العَبْدَرِيِّ رضي الله عنه، وَهِيَ أُمُّ زَكَرِيَّا بن جَهْمٍ الذِي كَانَ خَلِيفَةَ عَمْرِو بنِ العَاصِ عَلَى مِصْرَ (3).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: . . . فَأَمَّا البَغْلَةُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْكَبُهَا، وَأَمَّا إِحْدَى الجَارِيَتَيْنِ فتَسَرَّاهَا (4)، فَوَلَدَتْ لَهُ إبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا الأُخْرَى، فَأَعْطَاهَا حَسَّانَ بنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه (5).
(1) انظر تفاصيل ذلك في: الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 126) - دلائل النبوة للبيهقي (4/ 395 - 396).
(2)
سَرّح عنه: فَرّج عنه. انظر لسان العرب (6/ 230).
(3)
أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (2570)(4349).
(4)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (10/ 158): السُرية: بضم السين وكسر الراء الثقيلة، سميت بذلك لأنها مشتقهَ من التسرر، وأصله من السر، وهو من أسماء الجماع.
(5)
أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (4350).