الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السَّنَةُ السَّابعَةُ لِلْهِجْرَةِ
كُتُبُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ
(1)
لَمَّا اسْتَقَرَّ الأَمْرُ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وَجَدَ الفُرْصَةَ مُوَاتِيَةً لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعَالَى خَارجَ نِطَاقِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأَرْسَلَ الرُّسُلَ إلى مُلُوكِ
(1) اختلف في زَمَنِ إرسالِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الكُتُبِ إلى الملوك والأمراء، فعند ابن سعد في طبقاته (1/ 125): أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كتَبَ إليهم في المحرم سنة سبع من الهجرة، ولم يُحَدِّد ابن إسحاق في السيرة (4/ 262) تاريخًا مُحَدّدًا لإرسال الكتب، بل جعل ذلك ما بينَ الحُدَيْبِيَةِ ووفاته صلى الله عليه وسلم، واستَدْرَكَ عليه ابن هِشَام في تهذيبه على سيرة ابن إسحاق (4/ 262) فقال: بأن إرْسَالَه صلى الله عليه وسلم الكتب للملوك كان بعد عُمْرَته التي صُدَّ عنها يوم الحديبية.
بينما جعل الإِمام البخاري في صحيحه (8/ 469) رسالةَ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كِسْرَى في أعقاب غزوة تبوك في العام التاسع الهجري.
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 473): وفي إيراد هذا الحديث -أي حديث إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب لِكِسْرى- آخر هذا الباب إشارة إلى أن إرسال الكتب إلى المُلُوكِ كان في سنة غزوة تبوك، ولكن لا يدفع ذلك قول من قال: إنه كاتبَ المُلُوكَ في سنةِ الهُدْنَةِ كقَيْصَر، والجمعُ بين القولين أنه كَاتَبَ قَيْصَرَ مرتين، وهذه المرة الثانية قد وقع التصريح بها في مسند الإِمام أحمد - رقم الحديث (15655)، وكاتب النجاشي الذي أسلم وصَلَّى عليه لمَّا مات، ثم كاتب النجاشي الذي وَليَ بعده وكان كافرًا، وقد روى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (1774) - من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: كتَبَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل جبَّار يدعوهم إلى اللَّه، وسمَّى منهم: كسرى، وقيصر، والنجاشي، قال: وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
العَرَبِ وَالعَجَمِ وَكَتَبَ مَعَهُمْ إِلَيْهِمْ كُتُبًا يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الإِسْلَامِ.
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ (1)، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ تَعَالَى (2).
فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْتُبَ إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسَ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلى رَهْطٍ أَوْ أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ (3)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ (4).
(1) في رواية ابن حبان: أكَيْدِرُ دُومَة بدل النجاشي.
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 552): أُكَيْدِرُ تصغير أَكْدَر، ودُومَة بضم الدال، وسكون الواو، بلدٌ بين الحجاز والشام، وهي دُومة الجندل، مدينة بقرب تَبُوك بها نخلٌ وزَرْعٌ وحصن، على عشرة مراحل من المدينة، وكان أكيدر ملكها، وكان نَصْرَانيًا.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار - رقم الحديث (1774) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (6553).
(3)
في رواية أخرى في صحيح مسلم: قال أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب اللباس - باب نقش الخاتم - رقم الحديث (5872) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب في اتخاذِ النبي صلى الله عليه وسلم خاتم - رقم الحديث (2092)(56) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (3314).
فَكَانَ الخَاتَمُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه بَعْدَهُ، ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ رضي الله عنه بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ رضي الله عنه بَعْدَ عُمَرَ رضي الله عنه سَتَّ سِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتِّ البَاقِي (1) كَانَ مَعَهُ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ (2)، فَحَرَّكَ خَاتَمَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَدِهِ فَوَقَعَ فِي البِئْرِ، فَطَلَبَهُ (3) عُثْمَانَ رضي الله عنه وَمَنْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (4).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ عُثْمَانُ رضي الله عنه فِي التَّفْتِيشِ عَلَى الخَاتَمِ لِكَونِهِ أَثَرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ وَخَتَمَ بِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُسَاوِي فِي العَادَةِ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ المَالِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ خَاتَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَاكْتَفَى بِطَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ قَدْرَ المُؤْنَةِ التِي حَصَلَتْ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الخَاتَمِ لَكِنِ اقْتَضَتْ صِفَتُهُ عَظِيمَ قَدْرِهِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا ضَاعَ مِنْ يَسِيرِ المَالِ (5).
وَعِنْدَمَا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِرْسَالِ الكُتُبِ اخْتَارَ الرُّسُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ
(1) من خِلَافَتِهِ رضي الله عنه.
(2)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (11/ 505): أَرِيس: بفتح الهمزة وكسر الراء، على وزن عظيم.
(3)
في رواية البخاري قال أنس رضي الله عنه: فَاخْتَلفا.
قال الحافظ: أي في الذهاب، والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها.
(4)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب اللباس - باب خاتم الفضة - رقم الحديث (5866) - وباب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر؟ - رقم الحديث (5879) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب لبس النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ورق - رقم الحديث (2091)(54).
(5)
انظر فتح الباري (11/ 517).