الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَقُلْتُ لَهَا: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا، وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ. وَفَشَا (1) ذَلِكَ في مَكَّةَ، وَأَظْهَرَ المُشْرِكُونَ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ، وَانْقَمَعَ (2) مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
*
مَوْقِفُ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه
-:
وَبَلَغَ الخَبَرُ العَبَّاسَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه، فَعَقِرَ (3) في مَجْلِسِهِ، وجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمٌ، وَكَانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَلْقَى، فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرهِ وَهُوَ يَقُولُ:
حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثَمْ
…
شَبِيهَ ذِي الأَنْفِ الأَشَمّ
نَبِيَّ رَبٍّ ذِي النِّعَمْ
…
بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ (4)
ثُمَّ أَرْسَلَ العَبَّاسُ رضي الله عنه غُلَامًا له إلى الحَجَّاجِ بنِ عِلَاطٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، مَا جِئْتَ بِهِ، وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا جِئْتَ بِهِ.
فَقَالَ الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ:
(1) فَشَا: أي انتَشَرَ. انظر النهاية (3/ 403).
(2)
انقَمَعَ: أي تغَيَّبَ ودخل في بيته. انظر النهاية (4/ 95).
(3)
العَقر: أن تُسْلِمَ الرجلَ قوائِمُه من الخوف، وقيل: هو أن يفجَأه الروع فيُدهش ولا يستطيع أن يتقدَّم أو يتأخر. انظر النهاية (3/ 247).
(4)
قال الإِمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/ 96): ولم يَزَل العباس مشفقًا على النبي صلى الله عليه وسلم، مُحِبًّا له، صابرًا على الأذى، ولم يُسْلِمْ بعدُ، بحيث إنه ليلة العَقَبَةِ عرف، وقام مع ابن أخيه في الليل، وتوثق له من السبعين.
فَلْيُخْلِ لِي في بَعْضِ بُيُوتِهِ لآتِيَهُ، فَإِنَّ الخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَجَاءَ الغُلَامُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أبَا الفَضْلِ، فَوَثَبَ العَبَّاسُ فَرِحًا، حَتَّى قبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الحَجَّاجُ، فَأَعْتَقَهُ.
ثُمَّ جَاءَ الحَجَّاجُ إلى العَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدِ افتتَحَ خَيْبَرَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللَّهِ في أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَفِيَّةَ بِنْت حُيَيٍّ فاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ لِي هَاهُنَا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ، فَاخْفِ عَنِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ.
فَجَمَعَتِ امْرَأتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِيٍّ وَمَتَاعٍ، فَجَمَعَتْهُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْشَمَرَ (1) بِهِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ آتى العَبَّاسُ امْرَأَةَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ لهَا: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يَحْزُنُكَ اللَّهُ يَا أَبَا الفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الذِي بَلَغَكَ.
فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ، لَا يَحْزُنِّي اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا، وَقَدْ أَخْبَرَنِي الحَجَّاجُ أَنَّ اللَّه قَدْ فتَحَ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ
(1) الشَّمَّرِيُّ: الذي يَمْضِي لوجهه. انظر لسان العرب (7/ 190).
اللَّهِ، وَاصْطفى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَفِيَّةَ بِنْتَ حُييٍّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكِ حَاجَةٌ في زَوْجِكِ، فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللَّهِ صَادِقًا، قَالَ: فَإِنِّي صَادِقٌ، وَالأَمْرُ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكِ.
ثُمَّ ذَهَبَ العَبَّاسُ رضي الله عنه حَتَّى أَتَى البَيْتَ، وَقَدْ لَبِسَ حُلَّةً له وَتَطَيَّبَ، وَأَخَذَ عَصَاهُ، فَطَافَ بِالكَعْبَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْر أَبَا الفَضْلِ هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ (1) لِحَرِّ المُصِيبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: كَلَّا وَاللَّهِ لَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ أَنَّ خَيْبَرَ قَدْ فتَحَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللَّهِ، وَاصْطفى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءَ هَاهُنَا، ثُمَّ يَذْهَبَ.
فَرَدَّ اللَّهُ الكَآبَةَ التِي كَانَتْ بِالمُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا حَتَّى آتوا العَبَّاسَ، فَأَخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَسُرَّ المُسْلِمُونَ، وَرَدَّ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ كَآبَةٍ أَوْ غَيْظٍ أَوْ خِزْيٍ عَلَى المُشْرِكِينَ.
وَلَمْ يَلْبَثْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أَنْ جَاءَهُمْ خَبَرُ انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ في خَيْبَرَ (2).
(1) تَجَلَّد: بتشديد اللام، أي أظهر الجلد، والجلد: القوة والشدة. انظر لسان العرب (2/ 323).
(2)
أخرج قصة الحجاج بن عِلاط: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (12409) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخلافة والإمارة - رقم الحديث (4530) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (3213) - وابن إسحاق في السيرة (3/ 375).