الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَا تَسَلْ عَمَّا كَانَتْ تَصْنَعُهُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُؤْمِنَةُ العِذَابُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ مُضَاعَفَةِ الجُهْدِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِالنَّصَبِ وَالتَّعَبِ (1).
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا نَسِيتُ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يُعَاطِيهِمُ اللَّبِنَ (2)، وَقَدِ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
"اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخْرَةِ
…
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ"
قَالَتْ: فَرَأَى عَمَّارًا، فَقَالَ لَهُ:"وَيْحَهُ ابْنُ سُمَيَّةَ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ"(3).
*
وَهْمٌ فِي الرِّوَايَةِ:
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَمَّارٍ رضي الله عنه: "تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" عِنْدَمَا بَنَى الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رحمه الله فِي الدَّلَائِلِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَنْدَقِ وَهْمًا، أَوْ
= (4105) - وأخرجه مسلمٌ في صحيحِهِ - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (1803) - وأخرجه الطحاوي في شرح مُشْكِلِ الآثار - رقم الحديث (3326) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18486).
(1)
انظر السِّيرة النَّبوِيَّة فِي ضَوْءِ القرآنِ والسُّنَّة للدكتور محمد أبو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (2/ 278).
(2)
اللَّبِنُ: بفتح اللّام وكسرِ الباءِ: هي التي يُبْني بِهَا الجدارُ. انظر النهاية (4/ 198).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفِتَنِ وأشراطِ السَّاعة - باب لا تقومُ السَّاعةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجلُ بقَبْرِ الرَّجل - رقم الحديث (2915)(2916) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (26482).
كَانَ قَدْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: حَمْلُ اللَّبِنِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاقِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (2).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
"اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ
…
فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ" (3)
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْسَبَنَّ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَنْدَقِ وَقَذْفَ أَتْرِبَتِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ الذِي يُحْسِنُهُ بَعْضُ الزُّعَمَاءَ، كَلَّا، كَلَّا.
إِنَّ الرُّجُولَةَ الْكَادِحَةَ الْجَادَّةَ فِي أَنْبَلِ صُوَرِهَا كَانَتْ تُقْتَبَسُ فِي مَسْلَكِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ، يَقُولُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنه: لَقَدْ وَارَى عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ.
أَجَلْ إِنَّهُ اسْتَغْرَقَ فِي الْعَمَلِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَالرُّجُولَةُ الصَّادِقَةُ لَا تَعْرِفُ التَّمْثِيلَ. . . (4).
(1) انظر دلائلَ النُّبوَّة للبيهقي (2/ 549).
(2)
انظر البِدايةَ والنِّهايةَ (3/ 231).
(3)
أخرجه البخاري - كتاب المغازي - بابُ غزوةِ الخندقِ - رقم الحديث (4098) - وأخرجه مسلم - كتابُ الجِهادِ والسِّيَرِ - باب غزوة الأحزاب - رقم الحديث (1804).
(4)
انظر فِقْهَ السِّيرةِ ص 295 للشَّيخ محمَّد الغزاليِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.