الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ بَايَعْتُكِ"، كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ في المُبايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلهِ (1).
فَهَذِهِ الآيَةُ اسْتَثْنَتِ المُهَاجِرَاتِ المُسْلِمَاتِ مِنْ شَرْطِ الرَّدِّ إِلَى الكُفَّارِ، فَرَجَعَ عُمَارَةُ وَالوَليدُ ابْنَا عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى مَكَّةَ وَأَخْبَرَا قُرَيْشًا بِذَلِكَ.
*
نُبْذَةٌ عَنْ أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ رضي الله عنها:
وَكَانَتْ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ رضي الله عنها مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَبَايَعَتْ.
قَالَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ هِيَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ (2) مِنَ النِّسَاءَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ نَعْلَمُ قُرَشِيَّةً خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ أَبَوَيْهَا مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ، خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ وَحْدَهَا، حَتَّى قَدِمَتِ المَدِينَةَ في الهُدْنَةِ هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ (3).
*
تَطْلِيقُ الصَّحَابَةِ زَوْجَاتِهِمُ الكَافِرَاتِ:
وَطَلَّقَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم زَوْجَاتِهِمُ الكَافِرَاتِ بِهَذَا الحُكْمِ، وَهُوَ قَوْلُه تَعَالَى:{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} (4)، فَطَلَّقَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يَوْمَئِدٍ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام - رقم الحديث (2713).
(2)
المقصود بأوَّليتها في الهجرة هِجْرَتها وحْدَها رضي الله عنها.
(3)
انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (8/ 365).
(4)
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (8/ 94): هذا تحريم من اللَّه عز وجل علي عباده المؤمنين نِكَاح المشركات والاستِمْرَارَ معهن.
امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ في الشِّرْكِ، فتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه، وَهِيَ: قُرَيْبَةُ (1) بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالأُخْرَى تَزَوَّجَهَا صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ (2) وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ جَرْوَلٍ (3).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: . . . كَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ (4) بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بنِ غَنْمٍ (5) الفِهْرِيِّ فَطَلَّقَهَا، فتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ (6).
وَرَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} ، طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَرْوَى بِنْتَ رَبِيعَةَ بِنِ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (7).
(1) قال الحافظ في الفتح (10/ 524): بالقاف مصغرًا في أكثر النسخ، وضبطها الدمياطي بفتح القاف، وتبعه الذهبي، وكذلك هو في نسخة معتمدة من طبقات ابن سعد، وكذا للكشميهني في حديث عائشة الماضي في الشروط، والأكثر بالتصغير كالذي هنا.
(2)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (2731)(2732) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب نكاح من أسلم من المشركات - رقم الحديث (5287) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18928).
(3)
قال الحافظ في الفتح (10/ 525): جَرْوَل: بفتح الجيم.
(4)
هي أخْتُ أم حَبِيبة رَمْلة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
(5)
قال الحافظ في الإصابة (4/ 629): غَنْم: بفتح العين وسكون النون.
(6)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب نكاح من أسلم من المشركات - رقم الحديث (5287).
(7)
أورده الحافظ في الفتح (10/ 525) وحسن إسناده.
* قِصَّةُ أَبِي بَصِيرٍ (1) رضي الله عنه:
اسْتَطَاعَ أَبُو بَصِيرٍ رضي الله عنه وَاسْمُهُ عُتْبَةُ بنُ أَسِيدٍ الثَّقَفِيُّ (2) أَنْ يُفْلِتَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَقْدُمَ مُهَاجِرًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في المَدِينَةِ، وَكَانَ رضي الله عنه مِمَّنْ حُبِسَ بِمَكَّةَ، وَعُذِّبَ عَلَى إِسْلَامِهِ، فكَتَبَ الأَخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ كِتَابًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِيهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَبَا بَصِيرٍ رضي الله عنه، وبَعَثَ بِالكِتَابِ مَعَ رَجُلٍ كَافِرٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، وَمَوْلًى مَعَهُ (3).
فَلَمَّا وَصَلَ الرَّجُلَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في المَدِينَةِ، قَالَا لَهُ: العَهْدُ الذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَصِيرٍ رضي الله عنه إِلَى الرَّجُلَانِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا بِهِ ذَا الحُلَيْفَةِ (4)، فنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِلْعَامِرِيِّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ (5) الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ رضي الله عنه: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ
(1) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 700): بَصِير، بفتح الباء وكسر الصاد.
(2)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 700): عتبة: بضم العين، وأسيد: بفتح الهمزة على الصحيح، الثقفي حليف بني زهرة، ونسبه ابن إسحاق في السيرة (3/ 352) إليهم -أي إلى بني زهرة-، ووقع في صحيح البخاري رقم الحديث (2731) (2732) قوله:"رَجُلٌ من قُرَيش"، أي بالحلف؛ لأن بني زهرة من قريش.
(3)
سمَّى ابن سعد في طبقاته الرجلان وهما: خُنَيْسُ بن جابر، والمولى اسمه كَوْثَر.
(4)
قال الحافظ في الفتح (4/ 16): ذا الحُلَيْفة: بضَمِّ الحاء مُصَغرًا، وهو ميقات أهل المدينة.
(5)
قال الحافظ في الفتح (5/ 701): استَلَّهُ: بتشديد اللام أي أخْرَجَهُ من غمده.
مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ (1)، وَفَرَّ الآخَرُ -وَهُوَ المَوْلَى (2) - حَتَّى أتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو يَطِنُّ (3) الحَصَا مِنْ شِدَّةِ سَعْيِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَآهُ:"لَقَدْ رَأى هَذَا ذُعْرًا"(4)، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ (5).
فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ (6) قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَيْلَ أُمِّهِ (7) مِسْعَرَ (8) حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ"(9)، فَلَمَّا
(1) قال الحافظ في الفتح (5/ 702): حَتَّى بَرَدَ: أي حَتَّى خَمَدَتْ حواسُّه، وهي كناية عن الموت، لأنَّ الميت تسكُنُ حرَكْتُهُ.
وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 352): فعلاه بالسيف حَتَّى قتله.
(2)
في رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 352). وخرج المولى سَرِيعًا حَتَّى أتى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
(3)
الطَّنِينُ: صوتُ الشيء الصلب. انظر النهاية (3/ 127).
(4)
ذُعرًا: أي خَوْفًا. انظر النهاية (2/ 149).
وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 352): قال صلى الله عليه وسلم: "فزعًا".
(5)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 702): أي: إن لم تَرُدُّوهُ عَنِّي.
(6)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 702): أي فليسَ عليكَ مِنْهُمْ عِقَابٌ فيما صَنَعْتُ أنا.
(7)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 702): وَيلُ أُمِّه: بضم اللام، وكسر الميم المشددة، وهي كلمة ذَمٍّ تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها مِنَ الذم.
(8)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 702): مِسْعَر: بكسر الميم وسكون السين وفتح العين: أي يُسَعِّرها.
(9)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 703): أي ينصره ويُعَاضِدُه ويناصره، وفيه إشارة إليه بالفِرار لِئلَّا يرده إلى المشركين.