الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ إِلَّا الْحَلْقَةَ (1)، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ ثَانِيَةً بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْأَمْوَالِ لَا مِنَ الْحَلْقَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ.
فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَرَادُوا أَنْ يَتَّصِلُوا بِبَعْضِ حُلفائِهِمْ مِنَ الْأَوْسِ لَعَلَّهُمْ يَتَعَرَّفُونَ مَاذَا سَيَحِلُّ بِهِمْ إِذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ صلى الله عليه وسلم.
*
اسْتِشَارَتُهُمْ أَبَا لُبَابَةَ رضي الله عنه
- (2):
فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ (3) إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، يَعْنِي الذَّبْحَ، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَوَاللَّهِ مَا
(1) الحَلْقَةُ: بفتح الحاء وسكون اللام: السِّلَاحُ، انظر النهاية (1/ 410).
(2)
أخرج إرسال أبي لبابة رضي الله عنه إلى بني قريظة: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (25097) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة - باب ذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه رقم الحديث (7028) - وابن إسحاق في السيرة (3/ 261) وإسنادها حسن - وأوردها الحافظ ابن كئير في البداية والنهاية (4/ 508) وجود إسنادها.
(3)
الْجَهْشُ: أَنْ يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسانِ ويلجأَ إليه، وهو مع ذلك يريد البكاء، كما يفزع الصبي إلى أمه وأبيه. انظر النهاية (1/ 310).
زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم.
فقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أُحْدِثَ للَّهِ عز وجل، تَوْبَةً نَصُوحًا يَعْلَمُهَا اللَّهُ مِنْ نَفْسِي، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ إِلَى سَارِيَةٍ (1) مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ -وَكَانَتْ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ-، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ (2) مَكَاني هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، فنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (3)، فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ جَاءَني لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إِذْ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَأَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ رضي الله عنه، مَرْبُوطًا بِالْجِذْع سِتَّ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فتحِلُّهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُرْبَطُ بِالْجِذْعِ، حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (4).
(1) هذه السارية موجودة اليوم بالمسجد النبوي، معروفة باسم اسطوانة التوبة.
(2)
لا أَبْرَحُ: لا أُفَارِقُ. انظر لسان العرب (1/ 361).
(3)
سورة الأنفال آية (27).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (4/ 40): قال عبد اللَّه بن أبي قتادة، والزهري: أنزلت في لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه، حين بعثه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
(4)
سورة التوبة آية (102). =