الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ (1): فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (2).
قُلْتُ: ذَكَرْنَا في غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيةَ نَزَلَتْ في عَمْرِو بنِ جَحَّاشٍ، عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يُلْقِيَ الصَّخْرَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِيَقْتُلَهُ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ ابنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
*
فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
1 -
فَرْطُ شَجَاعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقُوَّةُ يَقِينِهِ، وصَبْرُهُ عَلَى الأَذَى، وَحِلْمُهُ عَنِ الجُهَّالِ.
2 -
وَفيهِ جَوَازُ تَفَرُّقِ العَسْكَرِ في النُّزُولِ وَنَوْمِهِمْ، وَهَذَا مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَخَافُونَ مِنْهُ (3).
*
الحَادِثُ الثَّالِثُ: قِصَّةُ جَمَلِ جَابِرٍ رضي الله عنه
-:
وَفي مَرْجعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ ابْتَاعَ (4) مِنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ
= وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل وقع في رواية أخرى بعد قوله صلى الله عليه وسلم:"اللَّه"، فشامّ السيف -بتشديد الميم أي أغمده- وهذه الكلمة من الأضداد، يقال: شامّه إذا استلَّه، وشامّه إذا أغمده، وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنَّه حيل بينه وبينه، تحقق وعلم أنَّه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه.
(1)
انظر سيرة ابن هشام (3/ 228).
(2)
سورة المائدة آية (11).
(3)
انظر فتح الباري (8/ 193).
(4)
ابتاع: اشترى. انظر لسان العرب (1/ 557).
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، جَمَلَهُ وَشَرَطَ لَهُ ظَهْرَهُ (1) إلى المَدِينَةِ، وَسَأَلَهُ عَنْ دَيْنِ أَبِيهِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً (2).
وَدَعُونَا نَتْرُكُ جَابِرًا رضي الله عنه يُحَدِّثُنَا عَنْ قِصَّةِ جَمَلِهِ، وَمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم في طَرِيقِهِمْ إلى المَدِينَةِ.
قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: خَرَجْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مُرْتَحِلًا عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ (3)، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، جَعَلْتُ الرِّفَاق تَمْضِي، وَجَعَلْتُ أَتَخَلَّفُ حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"مَالَكَ يَا جَابِرُ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا.
فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "فَأَنِخْهُ"(4)، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"أَعْطِنِي هَذِهِ العَصَا مِنْ يَدِكَ".
(1) في رواية أخرى قال جابر: فاستثنيْتُ حملانه إلى أهلي.
(2)
أخرج استغفارَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لجابرٍ خمسةً وعشرين مرَّة ليلة الجمل: ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة - باب ذكر عدد استغفار المصطفى صلى الله عليه وسلم لجابر ليلة البعير - رقم الحديث (7142) والترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب في مناقب جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه رقم الحديث (3861) وإسناده صحيح.
قال ابن الأثير في النهاية (1/ 139): وليلةُ الجمل: هي الليلة التي اشترى فيها رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من جابر جملة، وهو في السفر، وحديث الجمل مشهور.
(3)
في رواية البخاري في صحيحه - رقم الحديث (2309) - قال جابر رضي الله عنهما: فكنتُ على جمل ثَفَال.
والثفال: بفتح الثاء والفاء، هو البطيء الثقيل. انظر النهاية (1/ 210).
(4)
أناخَ الإبل: أبركها فبركت. انظر لسان العرب (14/ 321).
فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم العَصَا فَنَخَسَ (1) بِهَا البَعِيرَ نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ:"ارْكَبْ" فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ، وَالذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ يُوَاهِقُ (2) نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً (3)، قَالَ: وَتَحَدَّثَ مَعِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جَابِرُ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَهَبُهُ لَكَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ"، قُلْتُ: فَسُمْنِي (4) بِهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمٍ"، قُلْتُ: لَا، إِذًا يَغْبِنُنِي (5) رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"فَبِدِرْهَمَيْنِ"، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَلَغَ الأُوقِيَّةَ (6)، فَقُلْتُ: فَقَدْ رَضِيتُ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"قَدْ رَضِيتَ؟ "،
(1) نخَسَ: دفعه وحركه. انظر النهاية (5/ 27).
(2)
يواهق ناقته: أي يُباريها في السير ويُماشيها، ومواهقةُ الإبل: مدُّ أعناقها في السَّيْر. انظر النهاية (5/ 202).
(3)
في رواية أخرى في مسند الإِمام أحمد - رقم الحديث (14376) قال جابر رضي الله عنهما: فما زلت إنما أنا في أول النَّاس.
(4)
المُساوَمَةُ: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصْل ثمنها. انظر النهاية (2/ 382).
(5)
غَبنه: خدعه. انظر لسان العرب (10/ 15).
(6)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 659): الأُوقِيَّة: بضم الهمزة وتشديد الياء، وكانت في عرف ذلك الزمان أربعين درهمًا، وفي عرف النَّاس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهمًا.
قلتُ: اختُلف في تحديد ثمنِ الجمل، قال القرطبي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (5/ 665): اختلفوا في ثمنِ الجمل اختلافًا لا يقبل التلفيق، وتكلف ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبنيٌّ على أمر لم يستقم ضبطه، مع أنَّه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما تحصّل من مجموعِ الروايات عنه أنَّه باعَهُ البعير، بثمن معلومٍ بينهما، وزاده رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عند الوفاء زيادة معلومةً، ولا يضُرُّ عدم العلم بتحقيق ذلك.
قُلْتُ: نَعَمْ، عَلَى أَنَّ لِيَ فَقَارَ (1) ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ"، قُلْتُ: هُوَ لَكَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"قَدْ أَخَذْتُهُ".
قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَائْذَنْ لِي في أَنْ أَستعَجَّلَ إلى أَهْلِي، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"فتَزَوَّجْتَ؟ "(2).
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ " قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعًا (3)، فنَكَحْتُ امْرَأَةً جَامِعَةً تَجْمَعُ رُؤُوسَهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ (4)، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"أَصَبْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ صلى الله عليه وسلم: "فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ"(5).
(1) يُقال: أفقر البعير يُفقره: إذا أعاره. انظر النهاية (3/ 414).
(2)
في رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (15026) - وابن إسحاق في السيرة (3/ 228) قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هل تزوجتَ بعد؟ ".
قلتُ: استدل بهذا من جعل غزوة ذات الرقاع قبل الخندق، وقال: إن جابرًا رضي الله عنه كان متزوِّجًا في الخندق، وقصته مشهورةٌ، ذكرناها عندما صنعت زوجته طعامًا لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك حُجَّة؛ لأنه قد يكون تزوج رضي الله عنه غيرها.
(3)
في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4052): تسع.
(4)
في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4052) قال جابر رضي الله عنهما: فكرهت أن أجمعَ إليهن جاريةً خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن. قال الحافظ في الفتح:(10/ 145): خرقاء: بفتح الخاء وسكون الراء، هي التي لا تعمل بيدها شيئًا.
(5)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (12/ 486): والمراد شُمول البركة له في جودةِ عقله حيث قَدَّم =
قَالَ جَابِرٌ رضي الله عنه: فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينةَ، جِئْتُ بِالجَمَلِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ جَلَسْتُ في المَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَأَى الجَمَلَ، فَقَالَ:"مَا هَذَا؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ صلى الله عليه وسلم "فَأَيْنَ جَابِرُ؟ " فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"تَعَالَ أَي ابْنَ أَخِي، خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ، فَهُوَ لَكَ"، ثُمَّ دَعَا بِلَالًا وَقَالَ لَهُ:"اذْهَبْ بِجَابِرٍ، فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزِدْهُ".
قَالَ جَابِرٌ رضي الله عنه: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً، وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِجَابِرٍ رضي الله عنهما:"أَتُرَانِي مَاكسْتُكَ (1) لِآخُذَ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ".
قَالَ جَابِرٌ رضي الله عنه: فَوَاللَّهِ- مَا زَالَ يَنْمِي عِنْدَنَا، وَنَرى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا حَتَّى أُصِيبَ يَوْمَ الحَرَّةِ (2).
= أخواته على حظ نفسه فعدل لأجلهنَّ عن تزوج البكر مع كونها أرفعُ رُتبة للمتزوج الشاب من الثيب غالبًا.
(1)
المُمَاكسة في البيع: انتقاص الثمن واستحطاطه. انظر النهاية (4/ 297).
(2)
قوله رضي الله عنه يوم الحرة: يريد الليالي التي وقع فيها القتال بين أهل الشَّام وبين أهل المدينة، في حَرّة واقم التي تقع شرقي المدينة، وكانت سنة (63 هـ)، وهي ليزيد بن معاوية على أهل المدينة، وتعد كما قال ابن حزم في "جوامع السيرة" ص 357 - 358: من أكبر مصائبِ الإِسلام وخُرومه؛ لأن أفاضل المسلمين، وبقيَّة الصَّحَابَة، وخيار المسلمين من جلة التابعين قُتلوا جهزا ظلمًا في الحَرْب وصَبْرًا، وجالتِ الخيل في مسجد رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ورَاثَتْ وبالَتْ في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر، ولم تُصَلَّ جماعة في =