الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سَرِيَّةُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه إِلَى يَمْنٍ وَجُبَارَ
(1)
وَفِي شَوَّالَ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ وَاعَدَهُمْ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ لِلْإِغَارَةِ عَلَى المَدِينَةِ أَوْ أَطْرَافِهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَشِيرَ بنَ سَعْدٍ رضي الله عنه، فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا اللَّيْلَ وَيَكْمُنُوا النَّهَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ حُسَيْلُ بنُ نويْرَةَ الأَشْجَعِيُّ دَلِيلًا -وَهُوَ الذِي قَدِمَ بِخَبَرِ تَجَمُّعِ غَطَفَانَ- فَسَارُوا اللَّيْلَ وَكَمَنُوا النَّهَارَ، حَتَّى أَتَوْا إلى يَمْنٍ وَجُبَارَ، فنَزَلُوا بِسِلَاحٍ أَسْفَلَ خَيْبَرَ، ثُمَّ خَرَجُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ القَوْمِ، فَأَصَابُوا لَهُمْ نَعَمًا كَثِيرًا، وَتَفَرَّقَ الرِّعَاءُ، وَذَهَبُوا إلى القَوْمِ وَأَخْبَرُوهُمْ، فتَفَرَّقُوا وَلَحِقُوا بِعَلْيَاءِ بِلَادِهِمْ، وَخَرَجَ بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ رضي الله عنه في أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ، إِلَّا رَجُلَيْنِ أَسَرَهُمَا، فَرَجَعَ بِالنَّعَمِ والرَّجُلَيْنِ إلى المَدِينَةِ، فَأَسْلَمَا، فَأَرْسَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
*
حِوَارٌ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ وَالحَارِثِ بنِ عَوْفٍ:
وَلَمَّا فَرَّ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ مُنْهَزِمًا مِنْ سَرِيَّةِ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه لَقِيَهُ
(1) يَمْن: بفتح الياء، ثم سكون الميم: ماء لغطفان على الطريق بين تيماء وفيد، وجُبار: بضم الجيم وفتح الباء: ماء لبني حُميس من قضاعة بين المدينة وفيد. انظر معجم البلدان (3/ 26)(8/ 510).
الحَارِثُ بنُ عَوْفٍ المُرِّيّ، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُ، فَاسْتَوْقَفَهُ الحَارِثُ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا، مَا أَقْدِرُ! خَلْفِيَ الطَّلَبُ، أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، -وَهُوَ يَرْكُضُ- فَقَالَ لَهُ الحَارِثُ: قَدْ آنَ لَكَ يَا عُيَيْنَةُ أَنْ تُقْصِرَ عَمَّا تَرَى، أَوْ أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ بَعْضَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَطِئَ البِلَادَ، وَأَنْتَ مُوضِعٌ (1) في غَيْرِ شَيْءٍ (2).
كَانَ هَذَا الأَمْرُ سَبَبًا في جَعْلِ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ يُفَكِّرُ في الإِسْلَامِ.
* * *
(1) مُوضِع: بضم الميم وكسر الضاد: أي مسرع. انظر النهاية (5/ 171).
(2)
انظر دلائل النبوة للبيهقي (4/ 302) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (2/ 310).
أَسْرُ ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ الحَنَفِيِّ رضي الله عنه (1) وَإِسْلامُهُ
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةِ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (2).
زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيَرَةِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحْسِنُوا إِسَارَهُ"(3).
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ".
فَيَقُولُ ثُمَامَةُ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ (4) ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ (5).
(1) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (2/ 131) ثُمامة: بضم الثاء، وأثال: بضم الهمزة وفتح الثاء.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وقد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أُثال - رقم الحديث (4372) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ربط الأسير وحبسه - رقم الحديث (1764).
(3)
انظر سيرة ابن هشام (4/ 295).
(4)
قال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (12/ 75): أي إن تقتل تقتل صاحب دمٍ لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره أي لرياسته وفضيلته.
(5)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وقد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال - رقم الحديث (4372) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ربط الأسير وحبسه - رقم الحديث (1764).
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّونَ الفِدَاءَ، وَيَقُولُونَ: مَا نَصْنَعُ بِقَتْلِ هَذَا؟ (1).
فتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى كَانَ مِنَ الغَدِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ".
فَقَالَ ثُمَامَةُ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فترَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ".
قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ:"أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ ثُمَامَةُ إلى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ (2)، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟
فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ لَبَّى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُلَبِّيًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا لَهُ: صَبَوْتَ يَا ثُمَامَةُ؟
(1) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (1238) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(2)
في رواية ابن حبان قال أبو هريرة رضي الله عنه: فبعث به رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى حائط -أي بستان- أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين.
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَلُّوهُ.
ثُمَّ خَرَجَ ثُمَامَةُ إلى اليَمَامَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إلى مَكَّةَ شَيْئًا، حَتَّى أَضَرَّ بِقُرَيْشٍ الجُوعُ، وَأَكَلُوا العِلْهِزَ (1)، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ وَفْدًا بِقِيَادَةِ أَبِي سُفْيَانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّه وَالرَّحِمَ، إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "بَلَى".
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ قتَلْتَ الآبَاءَ بِالسَّيْفِ، وَالأَبْنَاءَ بِالجُوعِ.
فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ رضي الله عنه، أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَمْلِ إلى مَكَّةَ، فَفَعَلَ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} (2).
(1) العِلْهِزُ: بكسر العين والهاء: هو شيء يتَّخذونه في سِنِيِّ المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار، ويأكلونه. انظر النهاية (3/ 265).
(2)
سورة المؤمنون آية (76).
وأخرج قصَّة ثُمامة بن أثال: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وقد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أُثال - رقم الحديث (4372) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ربط الأسير وحبسه - رقم الحديث (1764) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب غسل الكافر إذا أسلم - رقم الحديث (967)(1238)(1239) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة المؤمنون - رقم الحديث (3540) - وابن إسحاق في السيرة (4/ 295).