الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الحُدَيْبِيَةُ أَعْظَمُ فَتْحٍ في الإِسْلَامِ:
قَالَ ابنُ القَيِّمِ: فَصْلٌ في الإِشَارَةِ إِلَى بَعْضَ الحِكَمِ التِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الهُدْنَةُ، وَهِيَ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى الذِي أَحْكَمَ أَسْبَابَهَا، فَوَقَعَتْ الغَايَةُ عَلَى الوَجْهِ الذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ (1).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، قَالَ: الحُدَيْبِيَةُ (2).
وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ: أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ في الآيَةِ التِي تَلَوْنَاهَا (3) هُوَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الصُّلْحِ الذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مَا كَانَ سَبَبًا لِفَتْحِهَا (4).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمْ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ (5).
(1) انظر زاد المعاد (3/ 275).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (4172) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (10/ 233).
(3)
هي قوله تَعَالَى في سورة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} .
(4)
انظر شرح مشكل الآثار (14/ 477).
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (4150) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (14/ 472) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (8904).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالمُرَادُ بِالفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ هُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِهِ خَيْرٌ جَزِيلٌ، وَآمَنَ النَّاسُ وَاجْتَمَعَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُ مَعَ الكَافِرِ، وَانْتَشَرَ العِلْمُ النَّافِعُ وَالإِيمَانُ (1).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: المُرَادُ بِالفَتْحِ هُنَا الحُدَيْبِيَةُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَبْدَأَ الفَتْحِ المُبِينِ عَلَى المُسْلِمِينَ، لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الصُّلْحِ الذِي وَقَعَ مِنْهُ الأَمْنُ، وَرَفْعُ الحَرْبِ، وَتَمَكُّنُ مَنْ يَخْشَى الدُّخُولَ في الإِسْلَامِ، وَالوُصُولَ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِخَالِدِ بنِ الوَليدِ وَعَمْرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنهما وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ تَبِعَتِ الأَسْبَابُ بَعْضُهَا بَعْضًا إِلَى أَنْ كَمُلَ الفَتْحُ، وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ (2) في المَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلَهُ: لَمْ يَكُنْ في الإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَ فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ أَعْظَمَ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى في سُورَةِ الفَتْحِ: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (3)، فَالمُرَادُ بِهَا فتحُ خَيْبَرَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ التِي وَقَعَتْ فِيهَا المَغَانِمُ الكَثِيرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، قَالَ: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وتَبَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأُطْعِمُوا نَخِيلَ خَيْبَرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى الفُرْسِ (4)، وَفَرِحَ المُسْلِمُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ.
(1) انظر تفسير ابن كثير (7/ 328).
(2)
انظر سيرة ابن هشام (3/ 351).
(3)
سورة الفتح آية (18).
(4)
أخرج قِصَّة انتِصَارِ الروم على الفُرس: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2495) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.