الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا (1).
قَالَتْ رضي الله عنها: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ (2) لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي.
*
مُشَاوَرَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما:
قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث الإفك - رقم الحديث (4143) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 405): طرُق حديث الإفك مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مِسطح، لكن وقع فِي حديث أمِّ رومان ما يُخالف ذلك، وطريق الجمع بينهما: أنها سمعت ذلك أوَّلًا من أم مسطح، ثم ذهبت لبيتِ أمها لتستيقن الخبر منها فأخبرتها أمها بالأمر مجملًا كما مضى من قولها: هوني عليك وما أشبه ذلك، ثم دخلت عليها الأنصارية، فأخبرتها بمثل ذلك بحضرةِ أمها، فقَوِيَ عندها القطع بوُقوع ذلك، فسألت هل سمعه أبوها وزوجها؟ ترجيًا منها أن لا يكونا سَمِعَا ذلك ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها أنهما سمعاه غُشِيَ عليها.
(2)
لا يَرْقَأُ: أي لا ينقَطِع: انظر النهاية (2/ 226).
وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما (1) حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ (2)، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ.
قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَهْلُكَ، وَمَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا.
وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ (3)، وَإِنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ.
قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ: فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يُرِيبُكِ؟ ".
(1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 407): والعلَّة فِي اختصاص عليٍّ وأسامة رضي الله عنهما: بالمشاورة أن عَلِيًّا كان عنده كالوَلَدِ؛ لأنه ربَّاه من حال صغره ثم لم يُفارقه، بل وازداد اتصاله بتزويج فاطمة، فلذلك كان مخصوصًا بالمشاورة فيما يتعلَّق بأهله لمزيدِ اطِّلاعه على أحواله أكثر من غيره، وكان أهل مشورته فيما يتعلق بالأمور العامَّة أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأما أُسامة فهو كعلي فِي طول الملازمة ومزيدِ الاختصاص والمحبة، ولذلك كانوا يطلقون عليه أنَّه حِبَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وخصه دون أَبيه وأمه لكونه كان شَابًا كعلي، وذلك أن للشاب من صَفَاء الذهن ما ليس لغيره، ولأنه أكثر جُرأة على الجَوَاب بما يظهر له من المُسِنِّ؛ لأن المُسِنَّ غالبًا يُحسن العاقبة فربما أخفى بعض ما يَظهر له رعاية للقائل تارةً، والمسؤولِ عنه أُخرى، مع ما ورد فِي بعض الأخبار أنَّه استشار غيرهما.
(2)
استلبَثَ الوحيُ: أي أبطأ وتأخَّر. انظر النهاية (4/ 194).
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 407): هذا الكلام الذي قاله عليٌّ رضي الله عنه حمله عليه ترجيحِ جَانِبِ النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عنده من القلق والغَمِّ بسبب القول الذي قِيل، وكان صلى الله عليه وسلم شديدَ الغَيْرَة، فرأى عليٌّ أنَّه إذا فارقها سَكَنَ ما عنده من القلق بسببها إِلَى أن يتحقق براءَتَها فيمكن رجعتها، ويُستفاد منه ارتكاب أخف الضررين لذهابِ أشدِّهما.
قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أُغْمِصُهُ (1) عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ (2) فَتَأْكُلُهُ (3).
فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ (4)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى صَفْوَانَ بنَ المُعَطَّلِ رضي الله عنه فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ (5) أُنْثَى قَطُّ (6).
(1) أُغمِصُهُ: أي أعيبه. انظر النهاية (3/ 347).
(2)
قال الحافظ في الفتح (9/ 409): الدَّاجِنُ: هي الشاةُ التي تألفُ البيت ولا تَخرج إِلَى المَرْعى، وقيل هي كل ما يألفُ البيوت مُطلقًا شاة أو طَيْرًا.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} - رقم الحديث (4750).
(4)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 408): أي حَتَّى صرَّحوا لها بالأمر، فلهذا تعجَّبت، وقالت: سبحان اللَّه.
(5)
قال النووي في شرح مسلم (17/ 95): الكَنَفُ: بفتح الكاف والنون: أي ثَوبها الذي يستُرها، وهو كِناية عن عدم جِماع النساء.
(6)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب رقم (12) - رقم الحديث (4757) - وفي رواية أبي سعيد بن أبي هلال عن هشام بن عروة فِي قِصَّة الإفك قال: إن الرَّجل الذي قيل فيه ما قيل لما بلغَهُ الحديث قال: واللَّه ما أَصَبْتُ امرأةً قَطُّ حلالًا ولا حَرَامًا.
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 398): فالذي يظهر أن مُراده بالنفي المذكور ما قَبْلَ هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك. فهذا الجَمْعُ لا اعتراض عليه إِلَّا بما جاء عن ابن إسحاق في السيرة (3/ 334): أنَّه كان حَصُورًا -وهو الذي لا يأتي النساء- لكنه لم يثبت فلا يُعارض الحديث الصحيح. =
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا -يَعْنِي صَفْوَانَ بنَ المُعَطَّلِ رضي الله عنه مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي".
فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضرَبْتُ عُنُقَهُ (1)، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ، أمَرْتَنَا ففعَلنَا أمْرَكَ.
= قلتُ: وقع عندَ الطحاوي في شرح مُشكل الآثار - رقم الحديث (2044) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (1488) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (2459) بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي سعيد الخُدرِيّ رضي الله عنه أنَّه قال: جاءت امرأةُ صفوانَ بن المعطَّل إِلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالت: يَا رَسُول اللَّهِ إن صفوان بن المعطَّل يضرِبُنِي إذا صلَّيْتُ، ويُفطِّرني إذا صُمت ولا يُصلي صلاة الفجر حَتَّى تطلُعَ الشَّمس - وصفوانُ عند رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: . . . وأما قولها يُفَطِّرني إذا صمت، فإنَّها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابٌّ لا أصْبِرُ، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يومئذ: "لا تَصُومَنَّ امرأةٌ إِلَّا بإذن زوجها"، وأما قولها: لا أُصَلِّي حَتَّى تطلع الشَّمس، فإنا أهل بيتٍ قد عُرِف لنا ذَاك، لا نستيقظ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس. . . الحديث.
والإشكالُ هنا: قول صفوان رضي الله عنه: وأنا رجُلٌ شابٌّ لا أصبر.
قال الإِمام الذهبي في السير (2/ 550) فهذا بَعيدٌ من حال صَفوان أن يكون كذلك، وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم على ساقَةِ الجيش، فلعله آخرُ باسمه.
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 398): المَقُول فيه ذلك غير صَفوان، وهو المعتمد إن شاء اللَّه تَعَالَى.
(1)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 411): إنما قال سعد رضي الله عنه ذلك لأنه كان سيّدهم، فجزم بأن حكمه فيهم نافِذٌ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَقَامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه، سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ (1)، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ.
فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ رضي الله عنه، وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَكَثْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ (2) لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا (3) لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، يَظُنَّانِ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقُ كَبِدِي، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ
(1) قال ابن التين فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (9/ 413): أي لم يتقدَّم منه ما يتعلَّق بالوقُوف مع أنفة الحَمِيَّة، ولم ترد أنَّه ناضَل عن المنافقين.
(2)
لا يَرْقأ: أي لا ينقطع. انظر النهاية (2/ 226).
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 414): أي الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح الخَبَر، واليوم الذي خَطَب فيه النبي صلى الله عليه وسلم النَّاس، والليلةَ التي تليه.
فِي شَأْنِي. قَالَتْ: فتَشَهَّدَ (1) رَسُولُ اللَّهِ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا (2)، فَإِنْ كنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ (3)، وَإنْ كنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّه وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ".
قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقَالَتَهُ قَلَصَ (4) دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا قَالَ.
قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا قَالَ.
قَالَتْ أُمِّي: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآن (5): إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ
(1) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4757) قالت عائشة رضي الله عنها: فحمد اللَّه وأثنى عليه.
(2)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 415): هو كناية عما رُميت به من الإفك، ولم أرَ فِي شيء من الطرق التَّصريح.
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 415): أي بِوَحْي ينزله بذلك قرآنًا أو غيره.
(4)
قال الحافظ في الفتح (9/ 416): قَلَص: بفتح القاف والام: أي استمسك نُزُوله فانقطع.
(5)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 416): قالت عائشة رضي الله عنها هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر إسم يعقوب عليه السلام كما سيأتي.
قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا -وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبٍ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ- إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ حِينَ قَالَ:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (1).
قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّه يُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّه مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى (2)، وَلَشَأَنْي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ (3) رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ (4)، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ (5) مِنَ العَرَقِ، وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ (6).
(1) سورة يوسف آية (18).
(2)
في رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 329): قالت رضي الله عنها: يقرأ به فِي المساجد، ويُصلى به.
(3)
رام: أي فارق. انظر النهاية (2/ 263).
(4)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 417): البرحاء: بضم الموحدة وفتح الراء: هي شدة الحمى، وقيل شدة الكرب، وقيل شدة الحر.
وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 330): فسُجي بثوبه وَوُضِعَتْ تحت رأسه وسادة من أدم.
(5)
الجُمان: بضم الجيم وتخفيف الميم، هو اللؤللؤ. انظر النهاية (1/ 291).
(6)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} - رقم الحديث (4750).
قَالَتْ: فَأَمَّا أَنَا حِينَ رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ، فَوَاللَّهِ مَا فَزِعْتُ وَلَا بَالَيْتُ، قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّه عز وجل غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمَّا أَبَوَايَ، فَوَالذِي نَفْسُ عَائِشَةَ بِيَدِهِ مَا سُرِّيَ (1) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَخْرُجَنَّ أَنْفُسُهُمَا، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ تَحْقِيقُ مَا قَالَ النَّاسُ.
فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ:"يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ عز وجل فَقَدْ بَرَّأَكِ"(2).
فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عز وجل.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ (3) عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (4)(11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ
(1) قال الحافظ في الفتح (9/ 418): سُرِّي: بضم السين وتشديد الراء المكسورة: أي كشف.
(2)
أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (3/ 330).
(3)
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تفسيره (6/ 25): أي بالكذب والبهت والافتراء.
(4)
هو عبد اللَّه بن أُبي بن سلول قبحه اللَّه.