الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالُوا: جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَلَمَّا حَمَلَ خَالِدٌ رضي الله عنه عَلَيْهِمْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَعْدَادًا كَبِيرَةً، ثُمَّ انْحَازَ خَالِدٌ رضي الله عنه وَانْسَحَبَ بِجَيْشِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يُصَبْ فِي جَيْشِهِ أَحَدٌ خِلَالَ هَذَا الِانْسِحَابِ (1).
وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا قَائِدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْقِذَ هَذِهِ القَبْضَةَ مِنَ الرِّجَالِ -بَقِيَّةَ الثَّلَاثَةِ آلَافٍ- مِنْ وَسَطِ هَذَا اللَّجِّ (2)، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأُعْجُوبَةٍ، وَقَدْ أَتَى بِهَا خَالِدٌ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ لُجَّةِ (3) البَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَلَّ، وَأَنْ يَنْسَحِبَ مِنْ وَسَطِ اللَّهَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقَ، وَأَنْ يُسَجِّلَ لِلذَّكَاءَ العَرَبِيِّ الذِي هَذَّبَهُ الإِسْلَامُ، هَذِهِ المَنْقَبَةَ فِي تَارِيخِ الحُرُوبِ (4).
*
قِصَّةُ المَدَدِيِّ
(5):
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مُبَاشَرَةَ المُسْلِمِينَ القِتَالَ قَبْلَ الِانْسِحَابِ، مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ رضي الله عنه مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
(1) انظر سيرة ابن هشام (2714) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (4/ 446) - البداية والنهاية (4/ 639).
(2)
اللَّجُّ: الابتلاء. انظر لسان العرب (12/ 239).
(3)
لُجَّة البحر: معظمه. انظر النهاية (4/ 201).
(4)
انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 47.
(5)
المَدَد: هم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد. انظر النهاية (4/ 263).
فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ اليَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ جَزُورًا (1)، فَسَأَلَهُ المَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ (2)، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرُ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي (3) بِالمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ المَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، فَخَرَّ، وَعَلَاهُ فَقتَلَهُ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فتَحَ اللَّهُ عز وجل لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَأَخَذَ مِنْهُ السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ.
قُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا (4) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ المَدَدِيِّ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا خَالِدُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".
(1) الجَزُور: البعير ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (1/ 258).
(2)
الدَّرَقة: هي الترس تتخذ من جلود ليس فيها خشب ولا عقب. انظر لسان العرب (4/ 333).
(3)
يَفري: أي يبالغ في النكاية والقتل. انظر النهاية (3/ 396).
(4)
لأعرفنَّكها: أي لأجازِيَنَّك بها حتى تعرف سوء صَنِيعك، وهي كلمةٌ تقال عند التهديد والوعيد. انظر النهاية (3/ 197).