الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَبَعَثَ بِهَا إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ شُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةٍ رضي الله عنه، وَجِهَازُهَا كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، وَلَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ (1).
*
نَصُّ كِتَابِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إلى النَّجَاشِيِّ:
أَمَّا نَصُّ كِتَابِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَدْ رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَالبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَهَذَا نَصُّهُ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ الأَصْحَمِ عَظِيمِ الحَبَشَةِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (2) فَإِنْ أَبَيْتَ
(1) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (27408) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (5061) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب النكاح - باب التزويج على أربع مئة درهم - رقم الحديث (5486) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول- رقم الحديث (8949).
(2)
سورة آل عمران آية (64).
قلتُ: ذكر ابن إسحاق في السيرة (2/ 195): أن صَدر سورة آل عمران إلى بِضْعٌ وثمانين آية منها نزلت في وَفْد نَجْرَان الذي وَفَدَ على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في عامِ =
فَعَلَيْكَ إِثْمُ النَّصَارَى مِنْ قَوْمِكَ" (1).
فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّجَاشِيِّ وَقُرِئَ عَلَيْهِ، أَخَذَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ تَوَاضُعًا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ المُلْكِ، وَمَا تَحَمَّلْتُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ (2).
= الوُفُودِ في السنة التاسعة للهجرة، فما الجَمْعُ بين كِتَابَةِ هذه الآية إلى هِرَقل وغيره في جملة الكُتُبِ التي أرسلها رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في العام السابع للهجرة، وبين ما ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره؟ .
والجَوَابُ: قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (2/ 56):
أَحَدُهُمَا: يحتمل أن هذه الآية نزلت مرَّتَيْنِ، مرَّةً قبل الحديبية، ومرَّة بعد الفتح.
الثاني: يحتمل أن صَدْرَ سُورة آل عمران نزل في وَفْدِ نَجْرَان إلى عند هذه الآية، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق:"إلى بِضْعٍ وثَمَانيِنَ آية"، ليس بمحفوظ، لدلالة حديث أبي سفيان -سيأتي حديث أبي سفيان بعد قليل-.
الثالثُ: ويحتمل أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لما أمَرَ بكَتْبِ هذا الكلام في كِتَابه إلى هِرَقْل وغيره لم يكن أنزل بعد، ثم نَزَلَ القرآن موافقةً له كانزل بِمُوَافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحِجَابِ، وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين.
(1)
أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب مراسلة الرسول هو النجاشي - رقم الحديث (4303) - والبيهقي في دلائل النبوة (2/ 308) - وأورد ابن القيم في زاد المعاد (3/ 601) كتابه هو إلى النجاشي مع اختلاف في بعض الألفاظ عن رواية البيهقي.
(2)
أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في الصلاة على المسلم يَمُوتُ في بلاد الشرك - رقم الحديث (3205) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب =
ثُمَّ كتَبَ النَّجَاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِإِجَابَتِهِ وتَصْدِيقِهِ وَإِسْلَامِهِ.
وَأَهْدَى النَّجَاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَنَعْلَيْنِ سَبْتِيَّتَيْنِ، وَثَلَاثَ عَنَزَاتٍ (1)، فَأَمْسَكَ صلى الله عليه وسلم وَاحِدَةً لِنَفْسِهِ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَاحِدَةً، وَأَعْطَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه وَاحِدَةً، فَكَانَ بِلَالٌ رضي الله عنه يَمْشِي بِتِلْكَ العَنَزَةِ التِي أَمْسَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي العِيدَيْنِ يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى، فَيَرْكُزُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا (2)، وَأَهْدَاهُ كَذَلِكَ حَلَقَةً فِيهَا خَاتَمُ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ (3) حَبَشِيٌّ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ بريْدَةَ عَنْ أَبِيهِ
= قصة إسلام النجاشي - رقم الحديث (3261) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (8840) وإسناده حسن.
(1)
العَنَزَاتُ: جمعُ عَنَزَة: وهي عَصا على قدْرِ نِصْفِ الرمح أو أكبر شيئًا قليلًا. انظر النهاية (3/ 278).
(2)
أورد إهداء العنزات من النجاشي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الحافظ في الفتح (2/ 153) وعزاه إلى عمر بن شبَّه في "أخبار المدنية"، من حديث سَعْدِ القَرَظ، ولفظُهُ: أن النجاشي أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حَرْبَةً فأمسكها لنفسه فهي التي يمشي بها مع الإِمَامِ يوم العيد. وأما صلاته صلى الله عليه وسلم إلى العَنَزَةِ يوم العيد، فقد رواها البخاري في صحيحه - رقم الحديث (973) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تُحمل وتُنصب بالمصلى بين يديه، فيصلى إليها.
(3)
فَصُّ الخَاتَمِ: المُرَكَّبُ فيه. انظر لسان العرب (10/ 371).