الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
تَشَاوُرُ المُسْلِمِينَ بِمَعَانَ:
وَلَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ أَدْخَلُوا فِي حِسَابِهِمْ لِقَاءَ مِثْلَ هَذَا الجَيْشِ العَرَمْرَمِ (1)، الذِي فُوجِئُوا بِهِ، فَأَقَامُوا فِي مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكِّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَيَنْظُرُونَ وَيَتَشَاوَرُونَ، هَلْ يَكْتبونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُخْبِرُونَهُ بِعَدَدِ عَدُوِّهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُمِدَّهُمْ بِالرِّجَالِ، أَوْ يَأْمُرَهُمْ بِأَمْرِهِ فَيَمْضُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَأْيٌ بِالِانْسِحَابِ، فَانْظُرُوا الشَّجَاعَةَ وَالجُرْأَةَ (2).
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ رضي الله عنه وَعَارَضَ هَذَا الرَّأْيَ، وَشَجَّعَ النَّاسَ قَائِلًا: يَا قَوْمِ! وَاللَّهِ إِنَّ التِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ، الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الحُسْنيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ (3).
(1) العرمْرَم: هو الكثير من كل شيء. انظر لسان العرب (9/ 172).
(2)
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (4/ 72): وقد كان للصحابةِ رضي الله عنهم في بابِ الشجاعة والائتمارِ بأمر اللَّه، وامتثالِ ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحدٍ من الأمَمِ والقرون قبلهم، ولا يكون لأحدٍ ممن بعدهم، فإنهم بِبَركة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلةِ عددهم بالنسبة إلى جُيُوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصَّقَالِبَة والبَرْبَر والحُبُوش وأصنافِ السودان والقبط، وطوائفِ بني آدم، قَهَرُوا الجميع حتى عَلت كلمة اللَّه، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارِقِ الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وأرضاهم أجمعين، وحَشَرنا في زمرتهم، إنه كريمٌ وهّاب.
(3)
قال الشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه فقه السيرة، ص 366: وكان لهذه =