الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: لم يوثقه ابن عدي صراحة، وإنما قال بعد أن ساق له عدّة أحاديث منها حديث الباب:"وللحارث هذا غير ما ذكرت أحاديث حسان، وهو ممن يكتب حديثه". وفيه إشارة إلى تضعيفه أكثر من توثيقه.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن محمد بن عبد الله بن جحش، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كلّ أربعين دينارًا دينارًا، وليس في الخضروات صدقة".
وفيه عبد الله بن شبيب، قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء":"يسرق الأخبار، لا يجوز الاحتجاج به بحال".
وكذلك لا يصح عن أنس بن مالك وعائشة وعلي. انظر تخاريج هذه الأحاديث في "نصب الراية" (2/
386).
3 -
باب زكاة العسل
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: جَاءَ هِلَالٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لَهُ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ، فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ الْوَادِي، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ رضي الله عنه:"إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ، فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ".
حسن: رواه أبو داود (1600) واللفظ له، والنسائيّ (2501) كلاهما من حديث أحمد بن أبي شعيب الحرانيّ، حدثنا موسي بن أعين، عن عمرو بن الحارث المصريّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، وبقية رجاله ثقات وقد توبعوا، فإنّ أبا داود رواه أيضًا من وجهين آخرين:
أحدهما: عن أحمد بن عبدة الضّبيّ، حدّثنا المغيرة -ونسبه إلى عبد الرحمن بن الحارث المخزوميّ-، قال: حدثني أبي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ شبابة -بطن من فهْم- فذكر نحوه. قال:"من كلْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ".
وقال سفيان بن عبد الله الثقفيّ، قال:"وكان يحمي لهم واديين". زاد: "فأدّوا إليه ما كانوا يؤدّون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمي لهم وادييهم". ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة.
والثاني: عن الربيع بن سليمان المؤذن، حدّثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ بطنًا من فَهْم -بمعنى المغيرة- قال: "من عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبةٌ. وقال:
واديين لهم". انتهى.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة (2325). وأسامة بن زيد تُكلُّم فيه غير أنه توبع. ومداره على عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وهو حسن الحديث.
ورواه ابن ماجه (1824) من وجه آخر عن نعيم بن حماد، قال: حدّثنا ابن المبارك، قال: حدثنا أسامة بن زيد، بإسناده، مختصرًا. ونعيم بن حماد ضعيف إلّا أنه توبع في الإسناد السّابق.
ولكن رواه ابن أبي شيبة (3/ 141) عن عباد بن عوام، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب:"أنّ أمير الطّائف كتب إلى عمر بن الخطّاب: إنّ أهل العسل منعونا ما كانوا يعطون مَنْ كان قبلنا". فذكر الحديث بمعناه.
وقد سُئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "هو حديثٌ رواه عبد الرحمن بن الحارث وعبد الله ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، مسندًا عن عمر، ورواه يحيي بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن عمر"، انتهى. "العلل"(2/ 110).
والدارقطني إمام في الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، ولكن وقع منه تقصير، فإنه لم يذكر من رفعه عن عمرو بن شعيب إلا عبد الرحمن بن الحارث وهو ابن أبي ربيعة المخزومي وهو "صدوق له أوهام"، كما في التقريب، وابن لهيعة، وفيه كلام معروف، وقد تابعهما عمرو بن الحارث المصري -كما مضى- وهو ثقة حافظ فقيه كما في التقريب، ورابعهم أسامة بن زيد كما مضى، فكل هؤلاء رفعوا هذا الحديث ولذا استدرك الحافظ ابن حجر على الدارقطني في "التلخيص"(2/ 168)، وانفرد بإرساله يحيى بن سعيد الأنصاري.
والقواعد الحديثية تقتضي أن نرجح الرفع لما فيه زيادة علم، ولذلك لم يرجح الدارقطني الإرسال كعادته.
ونقل ابن التركماني في "الجوهر النقي"(4/ 127) عن ابن عبد البر أنه حسّن حديث عمرو بن شعيب في "الاستذكار"، ونقل عن مالك، عن الزهريّ:"أنّ صدقة العسل العشر"، وممن أوجب الزكاة في العسل: الأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وربيعة، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد.
وروى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب قال: بلغني "أنّ في العسل العشر". قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك.
وسمع يحيى من أدرك يقول: "مضت السنة بأنّ في العسل العشر". وهو قول ابن وهب. انتهى كلام ابن التركماني. وانظر أيضًا: "الاستذكار"(9/ 283).
وذكر الحافظ ابن القيم في "الزاد"(2/ 15) الأحاديث والآثار الواردة في زكاة العسل وعلّلها ثم قال: "وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة، ورأوا أنّ هذه الآثار يقوي بعضُها بعضًا، وقد تعدّدت مخارجها، واختلفت طرقها، ومرسلها يعضد بمسندها".
وقال: "وقال هؤلاء: ولأنه يتولّد من نور الشّجر والزّهر، ويكال ويدّخر، فوجب فيه الزكاة كالحبوب والثمار". انتهى باختصار.
وأما مالك والشافعيّ فذهبا إلى أنه لا زكاة في شيء من العسل. انظر: "الاستذكار"(9/ 286). قلت: وفي الباب أحاديث لا تصح منها:
ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا في العسل: "في كلّ عشرة أَزُقِّ زِقٌّ".
رواه الترمذيّ (629) عن محمد بن يحيى النّيسابوريّ، حدّثنا عمرو بن أبي سلمة التنّبسيّ، عن صدقة بن عبد الله، عن موسي بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الترمذي:"حديث ابن عمر في إسناده مقال".
قلت: وهو يقصد صدقة بن عبد الله السّمين أبا معاوية، وهو ضعيف، ضعّفه النّسائيّ وغيره. وقال الإمام أحمد:"ليس بشيء". وقال الترمذيّ: "ولا يصح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء". وقال: "صدقة بن عبد الله ليس بحافظ، وقد خولف صدقة بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن نافع". ثم أسنده عن عبيدالله بن عمر، عن نافع قال:"سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل. قال: قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه". ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه قال: "ليس في العسل صدقة". فقال عمر بن عبد العزيز: "عدلٌ مرْضيٌّ". فكتب إلى النّاس أن توضع - يعني عنهم. انتهى.
قلت: المغيرة بن حكيم تابعيّ ثقة، فروايته عن نافع تكون أصح من رواية صدقة بن عبد الله، عن موسي بن يسار، عن نافع.
ولكن قوله مقطوع غير مسند إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا إلى أحد من الصّحابة وهو كالفتوى منه. وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوع حسن، وهو مثبت، ولا يترك العمل به لقول أحد من التّابعين. وبه قال الإمام أحمد، وإسحاق كما ذكره الترمذيّ.
وفي الباب أحاديث أخرى منها ما رُوي عن أبي سَيَّارة المتعيّ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي نَحْلا. قَالَ: "أَدِّ الْعُشْرَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! احْمِهَا لِي، فَحَمَاهَا لِي: رواه ابن ماجه (1823) عن أبي بكر بن أبي شيبة -وهو في "المصنف"(3/ 141) -، عن وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن أبي سيارة المتعيّ، فذكر مثله. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (18069).
وفيه انقطاع بين سليمان بن موسى، وبين أبي سيارة كما قال أبو حاتم.
وقال البخاريّ في "العلل الكبير"(6/ 313): "هو مرسل، سليمان لم يدرك أحدًا من الصّحابة". أي منقطع. وقال ابن عبد البر في "الاستذكار"(9/ 287): "هذا حديث منقطع، لم يسمع سليمان بن موسى من أبي سيارة، ولا يعرف أبو سيارة هذا ولا تقوم بمثله حجّة".
ومنها ما رُوي عن سعد بن أبي ذباب.