الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
35 - باب فضل صيام عاشوراء
• عن أبي قتادة الأنصاري، قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: "يكفّر السّنة الماضية".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (1162) من طريق غيلان بن جرير، سمع عبد الله بن معبد الزّمانيّ، عن أبي قتادة، فذكره.
وهو جزء من حديث طويل، سبق ذكره بتمامه.
• عن ابن عباس، وسُئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال:"ما علمتُ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صام يومًا يطلبُ فضله على الأيام إلّا هذا اليوم، ولا شهرًا إلّا هذا الشهر -يعني رمضان-".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (2006)، ومسلم في الصيام (1132) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عبيدالله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، به، فذكره. واللفظ لمسلم.
36 - باب ما جاء في توكيد وجوب صوم عاشوراء
• عن سلمة بن الأكوع أنه قال: بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذِّن في الناس:"من كان لم يَصُم فلْيصُمْ، ومَنْ كان أكل فليُتمَّ صيامه إلى اللّيل".
متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (1924)، ومسلم في الصيام (1135) من طريق يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، فذكره. واللفظ لمسلم.
قوله: "رجلًا من أسلم" قال ابن حجر: اسم هذا الرجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ، له ولأبيه ولعمّه هند بن حارثة صحبة.
وأمّا ما رواه أبو داود (2447) عن محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن مسلمة، عن عمّه، أنّ أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"صمتم يومكم هذا؟ ". قالوا: لا. قال: "فأتموا بقية يومكم واقضوه".
ففي قوله: "واقضوه" نكارة. ولذا قال عبد الحق في "الأحكام الوسطي"(2/ 245): "لا يصح هذا الحديث في القضاء".
ثم اختلف في زيادة هذا اللفظ، فرواه أبو داود من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد هكذا.
ورواه الإمام أحمد (23475) عن روح بن عبادة، والنسائي في "الكبرى"(2864) عن بشر، و (2865) عن محمد بن بكر - كلّهم عن سعيد بن أبي عروبة، ولم يذكروا القضاء.
وكذلك لم يذكره شعبة، عن قتادة.
ومن طريقه رواه الطحاوي في "مشكله"(2272)، وأحمد (20329).
ولكن يشكل هذا ما أخرجه البيهقي (4/ 221) من طريق يزيد بن زريع، عن شعبة، وذكر فيه القضاء وقال: رواه أبو داود في "السنن" عن محمد بن المنهال، وكذلك رواه أبو قلابة عن محمد ابن المنهال، عن يزيد، عن شعبة.
وقال: "ووقع ذلك في بعض النسخ: سعيد. وقد رواه أيضًا سعيد فخالف شعبة في الإسناد والمتن" انتهى.
قلت: وهو كما قال، فلعل نسخ أبي داود اختلفت، فإنّ جمهور أصحاب سعيد بن أبي عروبة لم يذكروا القضاء إن صحَّ هذا فيكون الخلاف على شعبة.
ومهما كان الأمر فالإسناد ضعيف من أجل عبد الرحمن بن مسلمة فإنه مجهول. وقد اختلف في اسم أبيه، فقيل كما قال أبو داود، وقيل: هو ابن المنهال بن مسلمة، وقيل: ابن سلمة، وقيل غير ذلك. يكنى أبا المنهال. تفرّد بالرواية عنه قتادة كما قال الذهبي في "الميزان"، وقال البيهقي في "المعرفة" (6/ 361):"مجهول، مختلف في اسم أبيه، ولا يدري من عمّه".
وقال ابن القطان: هو مجهول الحال.
وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة. ولم يتابع
على قوله: "فاقضوا" فهي زيادة منكرة، وأما بقية الحديث فله شواهد صحيحة.
• عن الرّبيع بنت مُعوِّذ بن عفراء، قالت: أرسلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: "من أصبح مفطرًا فليتمّ بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصمْ".
قالت: فكنّا نصومُه بعد، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللّعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطّعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار. قال العهن: الصُّوف.
متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (1960)، ومسلم في الصيام (1136) كلاهما من طريق بشر بن المفضّل بن لاحق، حدّثنا خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوّذ، به. واللفظ للبخاريّ.
• عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عاشوراء فعظّم منه، ثم قال لمن حوله:"من كان لم يطعم منكم فليصم يومه هذا، ومن كان قد طعم منكم فليصم بقية يومه".
صحيح: رواه الطبراني في "الأوسط"(3255)، والطحاوي في "مشكله"(2274) كلاهما من حديث عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا يحيى بن حمزة، عن يزيد بن أبي مريم، أنّ قزعة حدّثه عن أبي سعيد، فذكره.
وإسناده صحيح. وذكره الهيثمي في "المجمع"(3/ 186) وقال: "رجاله ثقات".
وقول الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث عن قزعة إلا يزيد" لا يضر؛ فإن يزيد بن أبي مريم أبا عبد الله الدمشقي إمام الجامع، وثقه ابن معين وغيره. وأخرج له البخاريّ. وقزعة هو ابن يحيى البصري، ثقة من رجال الجماعة.
• عن عبد الله بن بدر الجهني، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم يومًا:"هذا يوم عاشوراء، فصوموا".
فقال رجل من بني عمرو بن عوف: يا رسول الله، إني تركت قومي، منهم صائم، ومنهم مفطر. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"اذهب إليهم، فمن كان منهم مفطرًا فليتمّ صومه".
صحيح: رواه أحمد (27646)، والبزار -كشف الأستار (1049) والطبراني في "الأوسط"(5679) كلّهم من حديث معاوية بن سلام، قال: سمعت يحيى بن أبي كثير، أخبرني بعجة بن عبد الله، أن أباه أخبره، فذكره.
وإسناده صحيح. ويحيى بن أبي كثير ثقة ثبت إلا أنه يدلس ويرسل، وقد صرَّح بالتحديث وحسّنه الهيثمي في "المجمع"(3/ 185).
• عن هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي من أسلم. فقال: "مُرْ قومك فليصوموا هذا اليوم يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أوّل يومه، فليصم آخره".
حسن: رواه الإمام أحمد (15962)، والطبراني في الكبير (22/ 207)، والطحاوي في "مشكله"(2275) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند ابن أسماء، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرَّح، وقد صرَّح في رواية أحمد.
قال الهيثمي في "المجمع"(3/ 185): "رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات".
ولكن وقع الخلاف بين المؤرخين في اسم المبعوث هل هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ الذي كان له صحبة كما قال البخاري وابن السكن وغيرهم ومات في خلافة معاوية، أم هو هند بن حارثة الأسلمي عمّ هند بن أسماء.
قال الحافظ في "الإصابة" في ترجمة "هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي": "زعم ابن الكلبي أن المأمور بذلك هند بن حارثة، وتبعه أبو عمر".
قلت: وكذلك رواه الحاكم (3/ 529 - 530) من وجه آخر عن يحيى بن هند بن حارثة، عن أبيه هند بن حارثة، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه يوم عاشوراء. وقال:"صحيح".
ولكن قال الإمام أحمد في "مسند"(15963): "هند بن حارثة هذا كان من أصحاب الحديبية، وأخوه الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه بصيام عاشوراء وهو: أسماء بن حارثة فإنه قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال: "مرْ قومَك بصيام هذا اليوم" قال: أرأيت إن وجدتهم قد طعموا؟ قال: "فليتموا آخر يومهم".
رواه عن عفان، قال: حدّثنا وُهيب، حدّثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند بن حارثة -وكان هند من أصحاب الحديبية
…
فذكره. فحدثني يحيي بن هند، عن أسماء بن حارثة:"أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه" فذكر الحديث.
ومن طريق حرملة رواه أيضا البزّار -كشف الأستار (1048) -.
ويحيى بن هند بن حارثة لم يرو عنه غير عبد الرحمن بن حرملة، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو مقبول في اصطلاح الحافظ.
وهو كذلك لأنه رواه ابن حبان في "صحيحه"(3618) من طريق سهل بن بكار، قال: حدثنا وهيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أسماء بن حارثة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قومه، فذكر الحديث.
وهذه متابعة قوية ليحيي بن هند بن حارثة.
فإما أن نقول: إنّ المبعوث هو هند بن أسماء بن حارثة أو عمّه هند بن حارثة أو أخوه أسماء بن حارثة وهو بعيد. والصّحيح أنه كان واحدًا منهم بالتعيين إلا أن المؤرخين لم يضبطوه، والحديث صحيح ولا يؤثر عدم معرفة المبعوث على صحة الحديث.
وقد أطال أهل العلم الكلام في تعين المبعوث، وما ذكرته هو خلاصته، ومنهم من ادّعى الاضطراب في الإسناد من أجل هذا الخلاف. والصحيح أنه لا اضطراب فيه؛ لأنّ المبعوث صحابي ولا يضر الجهل باسمه كما هو معروف.
• عن محمد بن صيفي، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء: "منكم أحد طعم اليوم؟ " قلنا: منا من طعم، ومنا من لم يطعم. قال:"فأتموا بقية يومكم، من كان طعم، ومن لم يطعم، فأرسلوا إلى أهل العروض فليتموا بقية يومهم".
قال يعني أهل العروض: حول المدينة.
صحيح: رواه النسائي (2320)، وابن ماجه (1735)، والطحاوي في "مشكله"(2277)، وصحّحه ابن خزيمة (2091)، وابن حبان (3617) كلّهم من حديث حصين، عن الشعبي، عن محمد ابن صيفي، فذكره. وإسناده صحيح.
وفي الباب ما رُوي عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم صائمًا يوم عاشوراء فقال لأصحابه: "من كان أصبح منكم صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصاب من غداء أهله فليتم بقية يومه".
رواه الإمام أحمد (8716) عن أبي جعفر، أخبرنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله الأزدي، عن شُييل، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وفيه عبد الصمد بن حبيب ضعّفه أحمد. وقال أبو حاتم مثله. وزاد: "يكتب حديثه، ليس بالمتروك". وقال البخاري: "لين الحديث". وقال ابن عدي: "كان قليل الحديث".
وأبوه حبيب بن عبد الله الأزدي، قال أبو حاتم:"مجهول". "الجرح والتعديل"(3/ 104).
وفي الباب ما رُوي عن معبد القرشي، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بقديد فأتاه رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أطعمتَ اليوم شيئًا -ليوم عاشوراء-؟ ". قال: لا. إلا أني شربت ماء. قال: "فلا تطعم بعد حتي مغرب الشمس. وأمر من وراءك أن يصوم هذا اليوم". رواه عبد الرزاق (7835) عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عبد القرشي، فذكره. وعنه أخرجه الطبراني في "الكبير".
قال الهيثمي في "المجمع"(3/ 187): "رجاله ثقات".
قلت: وهو كذلك إلا أن معبد القرشي إن كان هو ابن زهير بن أبي أمية القرشي المخزومي ابن أخي أم سلمة، فله رؤية فلا صحبة له كما قال ابن عبد البر.
ومثل رواية هؤلاء تُعدّ من قبيل المراسيل عند المحققين كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "الإصابة".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن علي بن أبي طالب: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء، ويأمر به".
رواه أحمد (1069)، والبزار -كشف الأستار (1045) - كلاهما من حديث معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن جابر، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي، فذكره.
وجابر هو ابن يزيد الجعفيّ ضعيف. قال البزار: "لا نعلمه عن علي مرفوعًا إلّا بهذا الإسناد".
فقه الحديث:
أحاديث الباب تدل على أمور ومن أهمها ما يلي:
1 -
إنّ صوم عاشوراء كان في أول الأمر فرضًا، ولذا ورد التأكيد بصومه لمن لم يأكل ولم يشرب، وإمساك بقية اليوم لمن أكل وشرب.
ولا يتصور هذا التأكيد في التطوع، ثم نسخ الفرض بعد فرض رمضان كما سيأتي. وبقي استحباب التطوع لما فيه من الأجر العظيم.
2 -
أن من وجب عليه الصوم ولم يعرف ذلك إلا في النهار فإنه يكفيه النية في النهار، وهو مستثني من قوله صلى الله عليه وسلم:"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
3 -
أن من أكل وشرب، وهو لا يدري أن عليه صوم هذا اليوم فيمسك بقية النهار، وليس عليه القضاء على الصحيح، لما بينا فيما سبق من نكارة لفظ القضاء.