الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبد الله. فتنبّه.
5 - باب في بيان عدد الركعات في قيام الليل في رمضان
• عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سأل عائشة، زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم: كيف كانتْ صلاةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدُ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهنّ وطولهنَّ. ثم يصلي أرْبعًا فلا تسألْ عن حسنهنَّ وطولهنَّ. ثم يصلي ثلاثًا. فقالت عائشة: فقلتُ: يا رسول الله، أتنامُ قبل أن توتِر؟ فقال:"يا عائشة، إنَّ عيْنيَّ تنامان، ولا ينام قلبي".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (9) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، به.
ورواه البخاري في صلاة التراويح (2013)، ومسلم في صلاة المسافرين (738: 125) كلاهما من طريق مالك، به.
• عن أبي سلمة، قال: أتيتُ عائشة، فقلتُ: أيْ أمه أخبرني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل، منها ركعتا الفجر.
متفق عليه: رواه مسلم في صلاة المسافرين (738: 127) عن عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي لبيد، سمع أبا سلمة، قال (فذكره).
ورواه البخاريّ (1140) من وجه آخر نحوه غير أنه لم يذكر فيه شهر رمضان.
وفي الباب عن جابر بن عبد الله، قال: صلَّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت القابلةُ اجتمعنا في المسجد ورجوْنا أن يخرج إلينا، فلم نزل فيه حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله، اجتمعنا في المسجد ورجوْنا أن تصلي بنا. فقال:"إنّي خشيتُ -أو كرهتُ- أن تكتب عليكم".
رواه أبو يعلى (1802)، والطبراني في الصغير (525) كلاهما من طريق يعقوب بن عبد الله القُمِّي، أخبرنا عيسي بن جارية، عن جابر، قال (فذكره).
قال الطبراني عقبه: لا يروى عن جابر بن عبد الله إلا بهذا الإسناد، تفرد به يعقوب وهو ثقة.
وصحّحه ابن خزيمة (1070)، وابن حبان (2409) من طريق يعقوب القميّ، به.
وقال الهيثمي في "المجمع"(3/ 173): "فيه عيسي بن جارية وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين".
قلت: وهو مختلف فيه؛ قال ابن معين: ليس حديثه بذاك، لا أعلم أحدًا روى عنه غير يعقوب القميّ. وقال في رواية أخرى عنه: عنده مناكير، حدّث عنه يعقوب القمي، وعنبسة قاضي الرّي.
وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: منكر الحديث. وقال في موضع آخر: ما أعرفه، روي مناكير. وذكره النسائي في "الضعفاء" وقال: منكر. وذكره العقيلي، وابن عدي في جملة الضعفاء. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وذكر حديثه هذا في جملة مناكيره. (الكامل 5/ 1889).
ولكن قال أبو زرعة: "لا بأس به". وصحّح حديثه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الذهبي في "الميزان":"إسناده وسط"، وقال في "الكاشف":"صدوق". وسكت عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 12) وقد نصَّ في المقدمة أن ما سكتَ عنه فهو حسن.
ولذا قلتُ في "المنة الكبرى"(3/ 389): "ويبدو من هذا أنّ الحديث لا يقلّ عن درجة الحسن لغيره لموافقته لما روته عائشة من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يزيد في رمضان ولا في غيره عن ثمان ركعات
…
".
فالذي يغلب على الظن أنه صلي في هذه الليالي الثلاث بالجماعة إحدى عشرة ركعة كما كان يصلي في بيته منفردًا.
وأمّا ما رُوي عن ابن عباس أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر. فهو ضعيف جدًّا.
رواه ابن أبي شيبة (2/ 164)، والطبراني في الكبير (11/ 393) وعنه البيهقي (2/ 496)، وعبد ابن حميد (653) من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره. وعلّته أبو شيبة هذا فهو متروك، كما في "التقريب".
وقد رواه الذهبي في "الميزان" وقال: "إنه من مناكير أبي شيبة".
وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع"(3/ 172) وعزاه للأوسط أيضًا.
وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية (2/ 153): "هو معلول بأبي شيبة إبراهيم بن عثمان جدّ الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه، وليّنه ابن عدي في "الكامل". ثم إنه مخالف للحديث الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة" اهـ فذكر حديثها.
• عن السّائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبيَّ بنَ كعب وتميمًا الدّاريَّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئُ يقرأُ بالمئين، حتى كنّا نعتمدُ على العصيِّ من طول القيام، وما كنّا ننصرف إلّا في فروع الفجر.
صحيح: رواه مالك في الصلاة في رمضان (4) عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، فذكره.
وإسناده صحيح، السائب بن يزيد صحابي صغير، ومحمد بن يوسف الأعرج من ثقات التابعين، وهو ابن أخت السائب بن يزيد كما صرّحت الرواية بذلك في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 496) من طريق مالك، وقد احتج به الشّيخان.
ورواه سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن يوسف بإسناده، مثله. انظر شرح الموطأ للزرقاني (1/ 354).
وكذلك رواه يحيى بن سعيد عند أبي بكر بن أبي شيبة (2/ 391)، وإسماعيل بن جعفر في حديث علي بن حجر (440)، ومحمد بن إسحاق كما عند محمد بن نصر في قيام الليل (ص 42) كلّ هؤلاء عن محمد بن يوسف، به، مثله. إلّا أن ابن إسحاق فإنه قال:"ثلاث عشرة ركعة".
وهذه المتابعات تدل على أنّ مالكًا لم يخطئْ في قوله: "إحدى عشرة ركعة" ولم ينفرد بها كما قال الحافظ ابن عبد البر.
قال البيهقيّ في "فضائل الأوقات"(ص 275) بعد أن أخرج الحديث من طريق مالك: هكذا في هذه الرواية، وهي موافقة لرواية عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في عدد ركعات قيامه في شهر رمضان وغيره. وكان عمر بن الخطاب أمر بهذا العدد زمانًا ثم أمر بما
…
" أي الآثار التي سوف تأتي عنه.
وأمّا ما رواه عبد الرزاق (7730) عن داود بن قيس وغيره، عن محمد بن يوسف، عن السائب ابن يزيد، أنّ عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب، وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة، يقرؤون بالمئين، وينصرفون عند بزوغ الشمس".
هكذا قال في هذه الرواية "إحدى وعشرين" فيبدو أنه خطأ من عبد الرزاق، وهو وإن كان ثقة حافظًا فإنه قد عمي في آخر عمره فتغيّر، كما صرَّح به الحافظ في "التقريب".
فالصّحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بإحدى عشرة ركعة تأسيًا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لما رأى طول القيام، وشعر بمشقة الناس، وفيهم الكبير والضعيف، أمر بتخفيف القراءة وإكثار الركوع والسجود؛ لأنّ صلاة التراويح من الصلوات النافلة يجوز فيها الزيادة والنقصان، وعليه تدل الآثار الآتية:
منها ما رواه السائب بن يزيد نفسه، قال:"كانوا يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، وإن كانوا ليقرأون بالمئين من القرآن".
رواه أبو القاسم البغويّ في حديث "علي بن الجعد" المعروف بالجعديات (3387) ومن طريقه البيهقي (2/ 496) عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، فذكره.
ورواه الفريابي في كتاب الصيام (158) من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، به، مثله. وزاد:"حتى كانوا يتوكأون على عصيهم من شدة القيام".
ورواه البيهقي في "المعرفة"(5409) من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثني يزيد بن
خصيفة، عن السائب بن يزيد، قال:"كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر".
ويزيد بن خصيفة ينسب إلى جدّه وهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة ثقة، وثّقه الأئمة إلا أن أحمد قال فيه:"منكر الحديث" مع توثيقه له في رواية الأثرم عنه.
قال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري"(ص 453): "هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يُغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله، وقد احتج بابن خصيفة مالك والأئمة كلّهم" انتهى.
وهذا الأثر صحّحه ابن الملقن في "البدر المنير"(4/ 350) بعد أن عزاه للبيهقي، والنووي في "الخلاصة" كما في نصب الراية (2/ 154).
وأظنه كذلك، فإمّا أن تكون هي الرّواية الثانية عن السائب بن يزيد، بأن عمر بن الخطاب لما رأى طول القيام فيه مشقة خفّف عنهم القراءة وجعلها عشرين ركعة، أو أن يزيد بن خصيفة انفرد برواية هذا الأثر، وهو مخالف لما رواه غيره، وثبت عن عائشة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد في رمضان أو في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة، فحكم عليه الشذوذ؛ لأنّ يزيد بن خصيفة ومحمد بن يوسف كلاهما ثقتان يرويان عن السائب بن يزيد، والأول يقول في روايته:"إحدى وعشرين" والثاني يقول: "إحدى عشرة" فيرجح القول الثاني لأنه أوثق من صاحبه؛ ولذا اقتصر الحافظ في وصف يزيد بن خصيفة بأنه "ثقة" وقال في وصف محمد بن يوسف "ثقة ثبت".
ومنها ما رواه مالك في "الموطأ" في الصلاة في رمضان (5) عن يزيد بن رومان أنه قال: "كان الناسُ يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة" ولكن فيه انقطاع.
لأن يزيد بن رومان من أقران ابن شهاب الزهريّ -كما في تهذيب الكمال- توفي سنة (130 هـ) ولم يدرك زمن عمر رضي الله عنه، بل قال المزي: عن أبي هريرة مرسل.
ونصَّ الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 154) بأنه لم يدرك عمر بن الخطاب، وقال العيني في "عمدة القاري" (11/ 126):"سنده منقطع".
وقال البيهقي في "فضائل الأوقات"(ص 277): "مرسل".
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة (2/ 393) عن وكيع، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد:"أنّ عمر بن الخطاب أمر رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة".
وفيه انقطاع أيضًا. لأنّ يحيى بن سعيد وهو الأنصاري لم يدرك عمر بن الخطاب.
قال علي بن المديني: "لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس" كما في "التهذيب"(11/ 223).
وكذلك منها ما رواه ابن أبي شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن حسن (كذا ولعله: الحسن البصري، عن) عبد العزيز بن رفيع، قال:"كان أُبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث".
وعبد العزيز بن رُفيع لم يدرك أبي بن كعب فإنه مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، وقد أتى عليه نيّف وتسعون سنة، كما في تهذيب الكمال.
وعليه فتكون ولادته بعد الثلاثين، وأما أُبي بن كعب رضي الله عنه فإنه توفي سنة (19 هـ) أو (32 هـ).
وأيضًا فإنّ ابن رُفيع إنما يروي عن صغار الصحابة وكبار التابعين.
وروى الضياء المقدسي في المختارة (1161) من طريق أحمد بن منيع، أنا الحسن بن موسي، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، أنّ عمر أمر أبيَّا أن يُصلي بالناس في رمضان، فقال: إنّ الناس يصومون النّهار ولا يحسنون أن يقرأوا فلو قرأتَ عليهم بالليل. فقال: يا أمير المؤمنين، هذا شيء لم يكن؟ فقال: قد علمتُ، ولكنه أحسن، فصلّى بهم عشرين ركعة. وفيه أبو العالية وهو رفيع ثقة ولكنه كان يرسل كثيرا، وفيه ربيع بن أنس البكري، صدوق له أوهام وخاصة فيما رواه عنه أبو جعفر الرازي، قال ابن حبان:"الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديثه عنه اضطرابا كثيرا".
ومنها ما رواه عبد الرزاق (7733) عن الأسلميّ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن السائب بن يزيد، قال:"كنا نتصرف من القيام على عهد عمر وقد دنا فروع الفجر، وكان القيام على عهد عمر ثلاثة وعشرين ركعة".
وإسناده واهٍ جدًّا، من أجل الأسلميّ، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال الحافظ:"متروك".
وأمّا الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب، فمختلف فيه، فقال أبو حاتم:"يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، ليس بالقوي". وقال أبو زرعة: "ليس به بأس".
ويظهر من هذه الآثار مع رواية يزيد بن خصيفة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أولًا بإحدى عشرة ركعة، ثم أمر بعد ذلك بإحدى وعشرين ركعة.
قال ابن عبد البر: "يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر بإحدى عشر ركعة، ثم خفّف عليهم طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة، يخفّفون فيها القراءة، ويزيدون في الركوع والسجود". الاستذكار (5/ 154).
وإلى نحو هذا الجمع جنح البيهقي فقال في "السنن"(2/ 496):
"ويمكن الجمع بين الروايتين، فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث" اهـ.
وقال عبد الحق الإشبيلي في كتابه "الصلاة والتهجد"(ص 287): "ويروى أنّ الناس اشتدّ عليهم طول القيام فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر القارئين أن يخفِّفا من طول القيام ويزيدا في عدد الركوع، فكانا يقومان بثلاث وعشرين ركعة، ثم شكوا فنقصوا من طول القيام زيدوا في