الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذهب بعض أهل الظاهر إلى أنَّ الصّوم في السّفر منسوخ؛ لأنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أفطر، وكان ذلك آخر الأمرين، وكان الصّحابة يأخذون بالآخر فالآخر من فعله صلى الله عليه وسلم.
واحتجوا أيضًا بقوله تعالي: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي إن صامه لم يجزئه، بل عليه قضاؤه إذا رجع إلى أهله.
ونقل الحافظ في "الفتح"(4/ 696): وحكي ذلك أيضًا عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، والزهريّ، وإبراهيم النخعي وغيرهم.
ورد الجمهور على قولهم هذا بأنَّ المريض لو صام أجزأ صومه بالاتفاق، ومعنى الآية:{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي إن أفطر.
وقالوا: قول الراوي: "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث" لا يدل على النسخ إذ ليس فيه إنَّ الفطر في السفر ناسخ لإباحة الصوم في السفر بحجّة أن ابن عباس نفسه كان يقول: "فمن شاء صام، ومن شاء أفطر" وهو حديث صحيح كما سيأتي. فلم يجعل ابن عباس إفطار النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في السفر بعد صيامه فيه ناسخًا للصوم في السفر، بل جعله على جهة اليسر لمن يشق عليه الصوم في السفر.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ دلالة واضحة في عدم النسخ في قوله: "لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر". وذلك بعد أن أفطروا في فتح مكة، وهو الآتي في الباب الذي يليه.
وأمّا ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: "صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (1666) من حديث أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، فذكره.
قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف منقطع، أسامة بن زيد هو ابن أسلم ضعيف، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا. قاله ابن معين والبخاري".
16 - باب ما جاء أن المسافر يفطر في بيته قبل أن يخرج
• عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحلتْ له راحلته، ولبس ثياب السّفر، فدعا بطعام فأكل. فقلت له: سنّة؟ قال: سنّة، ثمّ ركب.
حسن: رواه الترمذيّ (799) عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن محمد ابن المنكدر، عن محمد بن كعب، قال (فذكره).
ورواه الترمذيّ أيضًا عن محمد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، قال: حَدَّثَنِي زيد بن أسلم، قال: حَدَّثَنِي محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، فذكر نحوه.
ورواه البيهقيّ (4/ 247) من طريق عثمان بن سعيد الدارميّ، ثنا ابن أبي مريم، بإسناده، وفيه:"تقارب غروب الشّمس، فدعا بطعام، فأكل منه".
قال الترمذيّ: هذا حديث حسن. ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير، مديني ثقة. وهو أخو إسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح والد عليّ بن عبد الله المدينيّ، وكان يحيى بن معين يضعفه".
وفي الباب عن عبيد بن جبر، قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري - صاحب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان، فرفع، ثمّ قرّب غداءه.
قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت، حتّى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت: ألستَ تري البيوت؟ ! قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ . قال جعفر في حديثه: فأكل.
رواه أبو داود (2412) عن عبد الله بن عمر، حَدَّثَنِي عبد الله بن زيد.
ح وثنا جعفر بن مسافر، ثنا عبد الله بن يحيى المعنى. قالا: حَدَّثَنِي سعيد بن أبي أيوب. زاد جعفر: والليث. قال: حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيبه: أن كليب بن ذُهل الحضرميّ أخبره، عن عبيد -قال: جعفر: ابن جبر- قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري (فذكر الحديث).
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقيّ (4/ 246).
ورواه الدَّارميّ (1754)، والإمام أحمد (27231)، وابن خزيمة (2040) كلّهم من طريق سعيد بن أبي أيوب، حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيب، بإسناده، نحوه.
قال ابن خزيمة: "لست أعرف كليب بن ذُهل، ولا عبيد بن جبر، ولا أقبل دين من لا أعرفه بعدالة".
وما قاله ابن خزيمة كلام متجه على أسس علمية سليمة ولكن لم يطبّق ما قاله هو ولا تلميذه ابن حبَّان في كثير من الرواة الذين لم يعرف عنهم شيءٌ. وأخرجا حديثهم في "صحيحيهما". وقد تم التنبيه عليه في مواضع كثيرة.
وأمّا كليب بن ذُهل فهو مصريّ ذكره ابن حبَّان في "الثّقات"(7/ 356) وترجم له البخاريّ في "التاريخ الكبير"(7/ 230)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (7/ 167) ولم يقولا فيه شيئًا. وقال فيه الحافظ:"مقبول" أي إذا توبع، فإذا لم يتابع فهو لين الحديث.
وأمّا عبيد بن جبر فهو الغفاري أبو جعفر المصري مولى أبي بصرة، روى عن مولاه في الفطر في السفر، وهو يرى البيوت. ذكره الفسويّ في "المعرفة والتاريخ"(2/ 492) في ثقات التابعين، ووثَّقه العجلي وابن حبَّان.
وفي الباب أيضًا عن دحية بن خليفة، أنه خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثمّ إنه أفطر، وأفطر معه ناسٌ، وكره آخرون أن يُفطروا،