الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه قَالَ له: إنِّي أرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ -أَوْ بَادِيَتكَ- فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاء، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنّ وَلَا إِنْسٌ ولَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ له يَوْمَ القِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (1).
*
فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
1 -
اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ له مَا لَمْ يَجْهَدْهُ أَوْ يتأَذَى بِهِ.
2 -
وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الغَنَمِ وَالبَادِيَةِ، وَلَاسِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
3 -
وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي، ومُسَاكَنَةِ الأَعْرَابِ، ومُشَارَكَتِهِمْ في الأَسْبَابِ بِشَرْطِ حَظٍ مِنَ العِلْمِ، وَأَمْنِ غَلَبَةِ الجَفَاءَ.
4 -
وَفيهِ أَنَّ أذَانَ الفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ في قَفْرٍ (2)، وَلَوْ لَمْ يَرْتَجِ حُضُورَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ المُصَلِّينَ، فَلَمْ يَفُتْهُ اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ (3).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب رفع الصوت بالنداء - رقم الحديث (609).
(2)
يقال: أقفرَ فُلان من أهْلِهِ إذا انْفَرَدَ، والمكانُ من سُكّانه إذا خَلا. انظر النهاية (4/ 79).
(3)
انظر فتح الباري (2/ 293).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "المُؤَذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ"(1).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالخَلَفُ في مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أكْثَرُ النَّاسِ تَشَوُّفًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ المُتَشَوِّفَ يُطِيلُ عُنقَهُ إِلَى مَا يَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ، فَمَعْنَاهُ كَثْرَةُ مَا يَرَوْنَهُ مِنَ الثَّوَابِ.
وَقَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْل: إِذَا أَلْجَمَ النَّاسَ العَرَقُ يَوْمَ القِيَامَةِ طَالَتْ أعْنَاقُهُمْ لِئَلَّا يَنَالَهُمْ ذَلِكَ الكَرْبُ والعَرَقُ، وقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَادَةٌ، ورُؤَسَاءُ، والعَرَبُ تَصِفُ السَّادَةَ بِطُولِ العُنُقِ (2).
وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ: كَانَ المُؤَذِّنُونَ فِيمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنْ أَذَانِهِمْ في الدُّنْيَا، ورَفْعِ أصْوَاتهمْ بِهِ فَوْقَ مَا غَيْرَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ سِوَاهُ في مُعَانَاتِهِمْ إيَّاهُمْ كَانَتْ في الدُّنْيَا، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُوُنوا بِعُلُوِّ أصْوَاتِهِمْ في أذَانِهِمْ الذِي كَانُوا يُعَانُونَهُ في الدُّنْيَا، ومُدَاوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وإِتْبَاعِهِمْ ذَلِكَ إِقَامَاتِ الصَّلَوَاتِ، واجْتِهَادِهِمْ في ذَلِكَ
(1) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب فضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه - رقم الحديث (387) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (1669).
(2)
انظر صحيح مسلم بشرح النووي (4/ 79).
بِأَصْوَاتِهِمْ، واسْتِعْلَائِهِمْ عَلَى الأَمْكِنَةِ التِي يَأْتُونَ بِالأَذَانِ فِيهَا مَعَ مَا في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ التِي لَا خَفَاءَ بِهَا جَعَلُوا ذَلِكَ في طُولِ أعْنَاقِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى ثَوَابِهِمْ عَلَيْهِ فَوْقَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الأَعْمَالِ بِطَاعَاتِ اللَّهِ سِوَاهُ في انْتِظَارِ الثَّوَابِ له، والجَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلَمْ نَجِدْ في تَأْوِيلِ هَذَا الحَدِيثِ مِمَّا قَالَ النَّاسُ فِيهِ أحْسَنَ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ بِمَا أرَادَهُ رَسُوله صلى الله عليه وسلم في ذَلِكَ (1).
وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ (2) والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتهموا (3) عَليْه، لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"(4).
قَالَ الإِمَامُ النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا فَضِيلَةَ الأذَانِ، وقَدْرَهَا، وعَظِيمَ جَزَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا يُحَصِّلُونَهُ بِهِ لِضِيقِ الوَقْتِ مِنْ أذَانٍ بَعْدَ أذَانٍ أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُؤَذِّنُ لِلْمَسْجِدِ إِلَّا وَاحِدٌ لَاقْترَعُوا في تَحْصِيلِهِ (5).
(1) انظر شرح مشكل الآثار (1/ 200).
(2)
قال النووي في شرح مسلم (4/ 132): النِّدَاءُ: هو الأذَانُ.
(3)
قال الإِمام البغوي في شرح السنة (2/ 230): الاسْتِهَامُ: الاقْتِرَاعُ، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الصافات آية (141) عن يونس عليه السلام:{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} .
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب الاستهام في الأذان - رقم الحديث (615) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها - رقم الحديث (437) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (1659).
(5)
انظر صحيح مسلم بشرح النووي (4/ 132).
وأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى (1) صَوْتِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ"(2).
وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: ويذْكَرُ أَنَّ أقْوَامًا اخْتَلَفُوا في الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه (3).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شُبرُمَةَ قَالَ: تَشَاحَّ (4) النَّاسُ في الأذَانِ بِالقَادِسِيَّةِ (5)، فاخْتَصَمُوا إلى سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، فأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ.
وهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ وصَلَهُ سَيْفُ بنُ عُمَرَ في الفُتُوحِ والطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شُبْرُمَةَ عَنْ شَقِيق -وهُوَ أَبُو وَائِلٍ- قَالَ: افتتَحْنَا القَادِسِيَّةَ صَدْرَ النَّهَارِ، فترَاجَعْنَا وَقَدْ أُصِيبَ المُؤَذِّنُ، وهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رضي الله عنه،
(1) المَدَى: الغَايَة: أي يَسْتَكْمِلُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ إذا اسْتَنْفَدَ وُسْعَهُ في رفعِ صوته، فيبلُغُ الغايَةَ في المَغْفِرَةِ إذا بلغ الغايَة في الصوت. انظر النهاية (4/ 265).
(2)
أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (9542) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (1666).
(3)
علَّقَهُ البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب الاستِهَام في الأذان.
(4)
الشُّحُّ: أشَدُّ البُخْلِ. انظر النهاية (2/ 401).
(5)
أي في معركة القادِسِية، والقادسِيَّة مكانٌ بالعراق معروف، وكانت به وَقْعة للمسلمين مشهُورة مع الفُرْسِ، وذلك في خلافة عمر رضي الله عنه سنة خمس عشرة للهجرة، وكان سَعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قائدَ المسلمين في هذه المعركة، وقد انتصَرَ فيها المسلمون انْتِصَارًا بَاهِرًا.
فَذَكَرَهُ وزَادَ: فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَذَّنَ (1).
ورَوَى ابنُ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أذَّنَ ثِنْتَي عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ في كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، ولِكُلِّ إقَامَةٍ ثَلَاثُونَ حَسَنةً"(2).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الإِمَامُ ضَامِنٌ (3)، والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ (4)، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الأَئِمَّةَ، وغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ"(5).
ورَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ وابْنُ أَبِي شَيبةَ في مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أُطِيقُ الأَذَانَ مَعَ الخِلَافَةِ لَأَذَّنْتُ (6).
(1) انظر فتح الباري (2/ 302).
(2)
أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الأذان والسنة فيها - باب فضل الأذان وثواب المؤذنين - رقم الحديث (728).
(3)
ضَامِنٌ: أَرَادَ بالضَّمان هاهنا الحِفْظ والرِّعاية؛ لأنه يحفظ على القومِ صَلاتهم، وقيل: إن صلاة المُقْتَدِينَ به في عُهدته، وصِحَّتُها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمُتَكَفِّلِ لهم صحة صلاتهم. انظر النهاية (3/ 94).
(4)
مُؤْتَمَنٌ: أي الذي يثقُونَ إليه ويتخِذُونَهُ أمِينًا حَافظًا، يعني أن المؤذن أمينُ الناس على صلاتهم وصيامهم. انظر النهاية (1/ 72).
(5)
أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (1672) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (7169).
(6)
أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (5/ 444) - وابن أبي شيبة في مصنَّفه - رقم الحديث (2348) - وأورده الحافظ في الفتح (2/ 277) - وصحح إسناده.