الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ"(1).
فَلَمْ تُصِب هَذِهِ السَّرِيَّةُ هَبَّارَ بنَ الأَسْوَدِ، فَأَهْدَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم دَمَهُ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه (2).
*
فِدَاء العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه
-:
مِنْ بَيْنِ الأَسْرَى العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه، أَسَرَهُ أَبُو اليَسَرِ كَعْبُ بنُ عَمْرٍو الخَزْرَجِيُّ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه كَمَا ذَكَرْنَا.
وَكَانَ العَبَّاسُ رضي الله عنه رَجُلًا طَوِيلًا (3)، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى المَدِينَةِ طَلَبَتِ الأَنْصَارُ ثَوْبًا يُلْبِسُونَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا يَصْلُحُ لَهُ، إِلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقِ، فكَسَاهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ نَفْسُ القَمِيصِ الذِي كَفَّنَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلُولٍ المُنَافِقَ لَمَّا مَاتَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فنَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ يُقَدَرُ عَلَيْهِ، فكَسَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إيَّاهُ،
(1) أورد الحافظ في الفتح (6/ 559 - وسكت عليه - وانظر سيرة ابن هشام (2/ 268).
(2)
انظر فتح الباري (6/ 259).
(3)
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/ 79) في ترجمة العباس رضي الله عنه: كان من أطوَلِ الرجال، وأحسَنِهِم صورة، وأبْهَاهُم، وأجْهَرِهِم صوتًا، مَعَ الحِلْمِ الوَافر، والسُّؤْدُدِ.
فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَمِيصهُ الذِي أَلْبَسَهُ (1).
أَمَّا فِدَاءُ العَبَّاسِ رضي الله عنه فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ: "يَا عَبَّاسَ، افْدِ نَفْسَكَ، وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفَلَ بنَ الحَارِثِ، وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بنَ جَحْدَمٍ"، أَحَدَ بَنِي الحَارِثِ بنِ فِهْرٍ، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا (2)، وَلَكِنَّ القَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي، فَقَالَ رَسُولىُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا، فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَافْدِ نَفْسَكَ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1) قال الحافظ في الفتح (6/ 252): أي لعبد اللَّه بن أُبي بن سلول عند دفنه.
وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الكسوة للأسارى - رقم الحديث (3008).
(2)
قال الحافظ في الفتح (3/ 584)(7/ 442): اخْتُلِف في الوقت الذي أسلم فيه العباس رضي الله عنه، فقيل: أسلم قبل الهجرة، وأقام بأمرِ النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك لمصلحة المسلمين، روى ذلك ابن سعد في طبقاته (4/ 323) من حديث ابن عباس، وفي إسناده الكلبي وهو متروك، ويرده أن العباس أسر ببدر، وقد فَدى نفسه، وَأَما قول أبي رافع رضي الله عنه في قصة بدر:"كان الإسلام دخل علينا أهل البيت"، فلا يَدُلُّ على إسلام العباس حينئذ، فإنَّه كان ممن أسِرَ يوم بدر، وفدى نفسه وعَقِيلًا ابن أخيه أبي طالب، ولأجل أنَّه لم يُهَاجر قبل الفتح لم يدخله عمر رضي الله عنه في أهل الشورى مع معرِفَتِهِ بفضله واستِسْقَائِهِ به، والمشهور أنَّه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس رضي الله عنه في قصة الحجاج بن عِلاط.
قلت: ستأتي قِصَّة الحجاج بن عِلاط في أحداث غزوة خيبر إن شاء اللَّه.