الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَظَاهِرُ الهِجْرَةِ وَعَوَامِلُ نَجَاحِهَا
قَالَ الأُسْتَاذُ أَحْمَدُ عَبْدُ العَظِيمِ فِي كِتَابِهِ التَّخْطِيطُ لِلْهِجْرَةِ: نَجَحَتْ خُطَّةُ الهِجْرَةِ نَجَاحًا يُعْتَبَرُ بِمَقَايِيسِ الزَّمَنِ إِعْجَازًا، وَحَقَّقَتْ أَهْدَافًا جَعَلَتْهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ بِدَايَةً لِلتَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ، فَمَا مَظَاهِرُ هَذَا النَّجَاحِ؟
1 -
بَعْدَ الهِجْرَةِ خَسِرَتْ قُرَيْشٌ مَوَازِينَ القُوَّةِ وَالمَكَانَةِ التِي تَوَارَثتهَا عَلَى مَدَى قُرُونٍ وَزَالَ عَنْهَا سُلْطَانُهَا. . . وَدَبَّ الخِلَافُ بَيْنَ أَبْنَائِهَا وَتَسَلَّلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى المَدِينَةِ فَأَسْلَمُوا.
2 -
لَمْ تَعْدُ قُرَيْشٌ حَاجِزًا فِي وَجْهِ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، إِذْ أَسْقَطَتْ الهِجْرَةُ رَهْبَتَهَا مِنْ نُفُوسِ المُسْتَضْعَفِينَ وَالخَائِفِينَ، كَمَا أُسْقِطَتْ هَيبتُهَا مِنْ قُلُوبِ العَرَبِ، فَلَمْ تَعُدْ مِثْلَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، فَبَدَأَتِ الغَشَاوَةُ تَنْزَاحُ عَنْ عُيُونِهِمْ، وَنَظَرُوا إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَدَعْوتهِ نَظْرَةً مُحَايِدَةً خَالِصَةً مِنْ تَأْثِيرِ قُرَيْشٍ وَضَلَالَاتِهَا فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّه أَفْوَاجًا، وَهَكَذَا جَاءَتْ قبَائِلُ العَرَبِ مِنْ تَبُوكَ وَالطَّائِفِ وَمِنْ كُلِّ جِهَةٍ يُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
3 -
وَبِالهِجْرَةِ ارْتَفَعَتْ مَكَانَةُ المَدِينَةِ، وَأَصْبَحَتْ هِيَ مَحَطُّ الأَنْظَارِ،
وَتَحْتَ لِوَائِهَا تَوَحَّدَتِ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ، وَأَصْبَحَتْ هِيَ العَاصِمَةُ وَالمَرْكَزُ وَالقَلْبُ. . . وَبَيْنَ رُبُوعِهَا قَامَتْ أَوَّلُ جَمَاعَةٍ عَلَى أَسَاسِ العَقِيدَةِ، لَا عَلَى أَسَاسِ القَبِيلَةِ، وَمِنْهَا بَعَثَ العَرَبُ قُوَّةً مُحَرِكَّةً فَعَالَةً لِأَدَاءِ رِسَالَتِهِمُ الإِسْلَامِيَّةِ.
4 -
وَبِالهِجْرَةِ تَغَيَّرَتْ حَيَاةُ العَرَبِ مِنْ قَوْمٍ يَشِنُّونَ الحُرُوبَ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ لِأَتْفَهِ الأَسْبَابِ إِلَى أَصْحَابِ قِيمٍ وَمبَادِئَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَقَوِيتْ رَوَابِطُ الأُخُوَّةِ وَالمَحَبَّةِ بِيْنَهُمْ، وَزَالَتْ بَوَاعِثُ البُغْضِ وَالكَرَاهِيَةِ وَالثَّأْرِ وَالِانْتِقَامِ حَتَّى أَنَّ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرِبنَ اقْتَسَمُوا دُورَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَاشْترَكُوا فِي مَشَاعِرَ وَاحِدَةٍ مُتَعَاوِنِينَ مُتَرَاحِمِينَ، وَقَدْ حَرَّرَهُمُ الإِسْلَامُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالجَهَالَةِ وَالرَّذِيلَةِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى الأَخْلَاقِ فَعَمَّتِ الفَضِيلَةُ وَانْتَشَرَتِ العُلُومُ وَالمَعَارِفُ وَاخْتَفَى الجَهْلُ وَالجَاهِلِيَّةُ.
قَالَ الفَيْلَسُوفُ الإِنْجِلِيزِيُّ (تُومَاسْ كَارْلِيلْ) عَنِ العَرَبِ:
قَوْمٌ يَضْرِبُونَ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يُعْتَنَى بِهِمْ عِدَّةَ قُرُونٍ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ النَّبِيُّ العَرَبِيُّ صَارُوا قِبْلَةَ الأَنْظَارِ فِي العُلُومِ وَالمَعَارِفِ، وَكَثُرُوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا قِلَّةً، وَعَزُّوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَذِلَّاءَ، وَلَمْ يَمْضِ قَرْنٌ بَعْدَ الإِسْلَامِ حَتَّى اسْتَضَاءَتْ أَطْرَافُ الأَرْضِ بِعُقُولهِمْ وَعُلُومِهِمْ.
5 -
ظَهَرَتْ بِالهِجْرَةِ أُمَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ جَمَعَهَا الإِسْلَامُ، وَلَمْ تَجْمَعْهَا عَصَبِيَّاتٌ قَبَلِيَّةٌ، فَتَمَيَّزَتْ فِي تَكْوِينهَا، وَكَانَتْ حَضَارَتُهَا سَامِقَةً بَيْنَ حَضَارَاتِ التَّارِيخِ،
أُمَّةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا مَشَاعِرُ الحُبِّ وَالإِخَاءَ القَائِمِ عَلَى ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه تَعَالَى، وَوَفْقِ إِرَادَتِهِ:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1).
6 -
كَانَ المُجْتَمَعُ الإِسْلَامِيُّ بَعْدَ الهِجْرَةِ يَقُومُ عَلَى المَبَادِئِ وَالأَخْلَاقِ، وَيَعْتَصِمُ بِأَحْكَامِ الإِسْلَامِ، فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ الفَضَائِلُ، فَأَصْبَحَتِ المَدِينَةُ قَاعِدَةً لِأُمَّةٍ فَاضِلَةٍ، انْطَلَقَتْ لِتَزْرَعَ مَبَادِئَهَا فِي العَالَمِ كُلِّهِ مُغَيِّرةً بِذَلِكَ وَجْهَ التَّارِيخِ.
7 -
الهِجْرَةُ أَعْطَتِ الإِسْلَامَ حُرِيَّةَ الحَرَكَةِ دَاخِلَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَخَارِجَهَا فَقَدْ بَادَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فَوْرَ اسْتِقْرَارهِ بِالمَدِينَةِ إِلَى مُمَارَسَةِ الِاتِّصَالَاتِ المُباشِرَةِ مَعَ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ عَنْ طَرِيقِ الرَّسَائِلِ. . . كَمَا بَادَرَ بِإِرْسَالِ السُّفَرَاءِ إِلَى المُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءَ فِي الدُّوَلِ المُجَاوِرَةِ، وَلقدْ أتتْ هَذِهِ الِاتِّصَالَاتُ بِنَتَائِجَ إِيجَابِيَّةٍ كَانَ لَهَا صَدَاهَا طَوالَ مَرَاحِلِ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ.
8 -
كَانَتِ الهِجْرَةُ مُقَدِّمَةً لِإِنْهَاءِ العُصُورِ الوَثَنِيَّةِ، وقِيَامِ عَصْرٍ جَدِيدٍ شِعَارُهُ الإِيمَانُ، وكَرَامَةُ الإِنْسَانِ، وَتَحْرِيرُ النَّاسِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الأَوْثَانِ إِلَى عُبُودِيَّةِ الإِلَهِ الوَاحِدِ.
9 -
الهِجْرَةُ كَانَتْ إِعْلَانًا ببدَايَةِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَفْقًا لِلْأُسُس والنُّظُمِ
(1) سورة الأنفال آية (63).
المُتَعَارَفِ عَلَيْهَا فِي العُرْفِ الدُّوَليِّ السَّائِدِ الْآنَ وهِيَ: الشَّعْبُ، والأرْضُ، والسُّلْطَةُ.
10 -
الهِجْرَةُ كَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِي انْتِصَارَاتِ المُسْلِمِينَ الكُبْرَى، وفِي الفُتُوحَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ في دِمَشْقَ، وبَغْدَادَ، والفُسْطَاطِ، والقَيْرَوَانِ، وفَارِسَ، وقُرْطُبَةَ، وهِيَ السَّبَبُ فِي دُخُولِ الإِسْلَامِ إِلَى كُلِّ عَوَاصِمِ العَالَمِ، وتَكْوِينِ الإِمبرَاطُورِيَّةِ الإسْلَامِيَّةِ مِنَ الهِنْدِ شَرْقًا إِلَى المُحِيطِ الأَطْلَنْطِيِّ غَرْبًا.
11 -
الهِجْرَةُ هِيَ التِي حَقَّقَتْ عَالَمِيَّةَ الإِسْلَامِ، وَنَشَرَتْ مَبَادِئَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَخَلَّصَتِ العَالَمَ مِنْ بَرَاثِنِ الإِمبرَاطُورِيَّاتِ التِي ذَاقَتِ الأَمَرَّينِ مِنَ الظُّلْمِ وَالِاضْطِهَادِ فِي الشَّامِ، وآسِيَا الصُّغْرَى، والشَّمَالِ الإِفْرِيقِيِّ.
12 -
بِالهِجْرَةِ تَخَلَّصَ العَالَمُ بِأَجْمَعِهِ مِنَ الفَوْضَى والهَمَجِيَّةِ، وانْتَقَلَ إِلَى مَرْحَلَةِ التَّحَضُّرِ والإِنْسَانيَّةِ. . . لَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ المُبالَغَةِ لَكِنَّهَا شَهَادَةُ حَقٍّ شَهِدَ بِهَا الأَعْدَاءُ قَبْلَ الأَصْدِقَاءِ.
13 -
أعَادَتِ الهِجْرَةُ صَقْلَ (1) الخَامَاتِ البَشَرِيَّةِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، وسَاعَدَ الِاسْتِقْرَارُ عَلَى إبْرَازِ المَوَاهِبِ، والطَّاقَاتِ التِي كَانَتْ كَامِنَةً تَحْتَ ظُلُمَاتِ الجَاهِلِيَّةِ والكُفْرِ، والخُلُودِ إِلَى الأَرْضِ، فَانْطَلَقُوا وقَدِ اسْتَضَاؤُوا بِنُورِ الإِسْلَامِ، عَبْقَرِيَّات تَفْتَحُ البِلَادَ، وتُقِيمُ العَدْلَ، وتُؤَسِّس الدُّوَلَ، وتُحْسَبُ فِي
(1) الصَّقْل: الجِلاء. انظر لسان العرب (7/ 377).
عِدَادِ العُظَمَاءِ فِي كُلِّ العُصُورِ، ولَوْلَا الهِجْرَةُ مَا وَجَدَ هَؤُلَاءِ مَنَاخَ الِانْطِلَاقِ.
لَا شَكَّ بَعْدَ هَذَا. . . أَنَّ الهِجْرَةَ كَانَتْ بِدَايَةَ انْطِلَاقِ الإِسْلَامِ إِلَى كُلِّ الآفَاقِ، وفَاتِحَةَ خَيْرٍ لبنَاءِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وبُشْرَى تَخْلِيصِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنْ بَرَاثِنِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ، وإرْهَاصَةَ (1) قِيَامِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِهَذَا كَانَ الإِصْرَارُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الهِجْرَةُ، ولَيْسَتِ البِعْثَةُ أَوْ وَفَاةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم هِيَ بِدَايَةُ التَّأْريخِ الإِسْلَامِيِّ (2).
إِنَّ إِلْهَامَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه وَصِدْقَ فِرَاسَتِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالهِجْرَةِ، وجَعْلِهَا بِدَايَةَ التَّأْرِيخِ (3) الإِسْلَامِيِّ كَانَ فِي مَحَلِّهِ ومَوْضِعِهِ.
(1) الإرهاص: المقدمة للشيء. انظر لسان العرب (5/ 343).
(2)
انظر كتاب التخطيط للهجرة مبادئ علمية وإلهامات ربانية ص 115 - 123 للأستاذ أحمد عبد العظيم.
(3)
أخرج الإمام البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب التاريخ، من أين أرَّخُوا التاريخ؟ - رقم الحديث (3934) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ما عَدُّوا من مَبْعَث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وَفَاته، ما عدّوا إلا من مقدمه المدينة.
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه - كتاب الهجرة - باب مشاورة عمر رضي الله عنه في أمْرِ تاريخ الإسلام - رقم الحديث (4344) عن سعيد بن المسيب قال: جمَعَ عمر رضي الله عنه الناس فسألهم: من أي يومٍ يكتب التاريخ؟
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من يوم هَاجر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وترَكَ أرضَ الشرك، ففعله عمر رضي الله عنه.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 220): اتفق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في سنة ست عشرة وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة في الدولة العُمَرية على جعل ابتداء =