الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَى المَدِينَةِ، وَيَمْتَحِنُونَ المُهَاجِرِينَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ المِحَنِ، وَكَانَ المُهَاجِرُونَ لَا يَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الفِكْرَةِ، وَلَا يُؤْثِرُونَ البَقَاءَ فِي مَكَّةَ، . . . وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَعْنَى الهِجْرَةِ إِهْدَارُ المَصَالِحِ، وَالتَّضْحِيَةُ بِالأَمْوَالِ، وَالنَّجَاةُ بِالشَّخْصِ فَحَسْبُ، مَعَ الإِشْعَارِ بَأَنَّهُ مُسْتَبَاحٌ مَنْهُوبٌ، قَدْ يَهْلِكُ فِي أَوَائِلِ الطَّرِيقِ أَوْ نِهَايَتِهَا، وَبِأَنَّهُ يَسِيرُ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ مُبْهَمٍ (1)، لَا يَدْرِي مَا يَتَمَخَّضُ عَنْهُ مِنْ قَلَاقِلَ وَأَحْزَانٍ (2).
*
مِحْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها:
أُمُّ سَلَمَةَ اسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ رضي الله عنها، زَوْجُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ، وَهُوَ أَخُو الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأُمُّهُ هِيَ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ ابنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ رضي الله عنه قَدِيمَ الإِسْلَامِ، وَقَدْ مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ رضي الله عنه بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَلَمَّا مَاتَ تَزَوَّجُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُمَّ سَلَمَةَ، فَصَارَتْ أُمَّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها.
وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ هَاجَرَتْ إِلَى المَدِينَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدَ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَوَّلَ ظَعِينَةٍ (3) قَدِمَتْ المَدِينَةَ مُهَاجِرَةً (4).
(1) طَرِيقٌ مُبْهَمٌ: إذا كَانَ خَفِيًّا لا يَسْتَبِينُ. انظر لسان العرب (1/ 524).
(2)
انظر السيرةُ النبوية لأبي الحسن الندوي رحمه اللَّه تعالى ص 161 - والرحيق المختوم ص 155.
(3)
الظَّعِينة: المرأة، وأصلُ الظَّعينة: الرَّاحِلَةُ التي يُرحل ويُظْعَنُ عليها، أي يُسَارُ، وقيل للمرأةِ ظَعِينَةٌ، لأنها تَظْعَنُ مع الزوج حيثُمَا ظَعَن. انظر النهاية (3/ 143).
(4)
أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة النساء - رقم الحديث =
وَأَمَّا مِحْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها فَذَكَرَهَا ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَلْنَتْرُكْ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها تَرْوِي لَنَا قِصَّةَ هِجْرَتِهَا مَعَ زَوْجِهَا وَابْنِهَا رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ، تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الخُرُوجَ إِلَى المَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ (1)، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي المُغِيرَةِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتَنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ (2) هَذِهِ، عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي البِلَادِ؟ قَالَتْ: فنَزَعُوا خِطَامَ (3) البَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ، قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إِذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا، قَالَتْ: فتَجَاذَبُوا ابْنِي سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ، حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ،
= (3022) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (563). قال الترمذي بعد أن أورد هذا الأثر عن مجاهد: هذا حديث مرسل.
وردَّ العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقِهِ على الطبري قول الترمذي: "حديث مرسل"، فقال: إنه جزم بلا دليل، ومجاهِد أدرك أم سلمة يَقِينًا وعاصَرَها، فإنه وُلدَ سنة (21 هـ)، وأم سلمة ماتت بعد سنة 60 هـ، على اليقين، فثبت عندنا اتصال الحديث وصحته، والحمد للَّه.
(1)
أي جعلَ عَلَيْهِ الرَّحْل، وَالرَّحْلُ ما يُوضَعُ على ظَهْرِ البَعِيرِ لِلرُّكُوبِ، وهو لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ. انظر لسان العرب (5/ 170).
(2)
صاحبتك: أي زوجتك.
ومنه قوله تعالى في سورة عبس {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} .
(3)
خِطَامُ البَعِيرِ: هو الحَبْل الَّذي يُقادُ به البعير. انظر النهاية (2/ 49).
وَحبَسَنِي بَنُو المُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَتْ: فَفُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي، قَالَتْ: فكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ (1) فَأَجْلِسُ بِالأَبْطَحِ (2)، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتَّى أُمْسِي، سَنَةٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي، أَحَدِ بَنِي المُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي، فَرَحِمَنِي، فَقَالَ لِبَنِي المُغِيرَةِ: أَلَا تُحَرِّجُونَ (3) مِنْ هَذِهِ المِسْكِينَةِ؟ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكِ إِنْ شِئْتِ، قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ إِلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي، قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي، ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالمَدِينَةِ، قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَتَبْلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدُمَ عَلَى زَوْجِي، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ (4) لَقِيتُ عُثْمَانَ بنَ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ رضي الله عنه، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لِي: إِلَى أَيْنَ يَا بْنَتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟
قُلْتُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالمَدِينَةِ، قَالَ: أَوَ مَا مَعَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا اللَّهُ وَابْنِي هَذَا، قَالَ: وَاللَّهِ مَالَكِ مِنْ مَتْرَكٍ، فَأَخَذَ خِطَامَ
(1) الغُدْوَة: بضم الغين: البُكْرَة ما بَيْنَ صلاةِ الفجرِ وطلوعِ الشَّمس. انظر لسان العرب (10/ 26).
(2)
الأبْطَح: يعني أبطَحَ مكَّة، وهو مسيل واديها. انظر النهاية (1/ 134).
(3)
تحَرَّجَ فلانٌ: إذا فعَلَ فِعْلًا يتَحَرَّج به منَ الحَرَجِ، والحَرَجُ: هو الإثْمُ والضِّيق. انظر لسان العرب (3/ 107).
(4)
التَّنْعِيمُ: موضعٌ بمكة فِي الحِلِّ، وهو بين مكة وسَرِفَ على فَرْسَخين من مكة. انظر معجم البلدان (1/ 458).
البَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي (1) بِي، فَوَاللَّهِ مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ قَطُّ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إِذَا بَلَغَ المَنْزِلَ (2) أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطَّ عَنْهُ -أَيْ الرَّحْلَ- ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرِةِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنِّي إِلَى شَجَرَةٍ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ، قَامَ إِلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَلَهُ (3)، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، فَقَالَ: ارْكَبِي، فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ حَتَّى يَنْزِلَ بِي، فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي المَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قَرْيَةِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ بِقُبَاءَ قَالَ: زَوْجُكِ فِي هَذِهِ القَرْيَةِ -وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ.
فَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ أَكْرَمَ مِنْ عَثْمَانَ (4) بنِ طَلحَة (5).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقْفَةً عِنْدَ قِصَّةِ
(1) يَهوِي: أي يُسْرع. انظر النهاية (5/ 245).
(2)
أي المكان الَّذي يسْتَرِيحُونَ فيه فِي السَّفَر.
(3)
أي وضَعَ عليه الرَّحل، وهو للبَعِير كالسَّرْج للفرس. انظر النهاية (2/ 192).
(4)
أسلَمَ عثمَانُ بن طلحَةَ رضي الله عنه بعد الحُدَيْبِيَةِ، وهاجر إلى المدينة، ودفع إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكةَ مفاتيح الكعبة. انظر أسد الغابة (3/ 211).
(5)
أخرج قِصة محنة أم سلمة رضي الله عنها فِي: ابن إسحاق في السيرة (2/ 82) - وأوردها الحافظ ابن كثير فِي البداية والنهاية (3/ 183).