الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
مُبَاشَرَةُ المَلَائِكَةِ فِي قَتْلِ وَأَسْرِ الكُفَّارِ:
أَمَّا المَلَائِكَةُ فَقَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ المَعْرَكَةِ، وَشَدُّوا عَلَى المُشْرِكِينَ، وَشَارَكُوا الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم فِي قتلِ وَأَسْرِ المُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَاشِرِ المَلَائِكَةُ القِتَالَ فِي أَيِّ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، أَمَّا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَدْ نَزَلَتْ لِحِمَايَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فنَزَلَتْ لِإِرْهَابِ الكُفَّارِ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُوُنونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (1).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتُ الفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فنَظَرَ إِلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ (2) أنْفَهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ -أَي اخْضَرَّ لَوْنُهُ-، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ"(3).
(1) انظر سيرة ابن هشام (2/ 245).
(2)
قال الإمام النووي في شرح مسلم (12/ 74): الخَطمُ: الأثَرُ على الأنف.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة يوم بدر - رقم الحديث (1763) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (4793).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ (1).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ المَازِنيِّ رضي الله عنه-وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا- قَالَ: إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ غَيْرِي (2).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: . . . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (3) قَصِيرٌ بِالعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسِيرًا، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ (4) مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (5)، مَا أَرَاهُ فِي القَوْمِ، فَقَالَ
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب سهل بن حنيف - رقم الحديث (5790) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (23778) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (2/ 245).
(3)
هو أبو اليَسَر بفتح الياء والسين، واسمه كعب بن عمرو الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا وأسر العباس، وهو آخر من مات بالمدينة من أهل بدر، توفي رضي الله عنه سنة (55 هـ). انظر الإصابة (7/ 380).
(4)
الأجْلَحُ من الناس: الذي انحَسَر الشعر عن جانِبَي رأسه. انظر النهاية (1/ 275).
(5)
الأبْلَقُ: هو ارتفاع التَّحْجِيلِ إلى الفخذين، والتحْجِيل هو: بياضٌ يكون في يَدَي الفرس ورجليه. أي أن البياض بلغ بالفرس إلى الفخذين. انظر لسان العرب (1/ 486)(3/ 65).
الأَنْصَارِيُّ: أَنا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ"(1).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الذِي أَسَرَ العَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبِ أَبُو اليَسَرِ بنُ عَمْرٍو، وَهُوَ كَعْبُ بنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"كَيْفَ أَسرْتَهُ يَا أبَا اليَسَرِ؟ " قَالَ: لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ وَلَا قَبْلُ، هَيْئتهُ كَذَا، هَيْئتهُ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ"(2).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا (3) بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ، فنَزَلَتِ المَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، عَلَى سِيمَا الزُّبَيْرِ (4).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: "مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ" -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- قَالَ:
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (948).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (3310).
(3)
الاعتِجَارُ بالعمامة: هو أن يَلُفَّها على رأسه ويَرُدّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيء تحت ذقنِهِ. انظر النهاية (3/ 168).
(4)
أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب أول غزوة في الإسلام بدر - رقم الحديث (5608) - وابن سعد في طبقاته (3/ 55).
وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ (1)
* نُكُوصُ (2) إِبْلِيسَ:
وَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ مَا تَفْعَلُ المَلَائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ فَرَّ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ -وَكَانَ قَدْ جَاءَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا- فتَشَبَّثَ بِهِ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ، وَهُوَ يَظُنُّهُ سُرَاقَةُ، فَقَالَ إِلَى أَيْنَ يَا سُرَاقَةُ؟ أَلمْ تَزْعُمْ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ لَا تُفَارِقُنَا، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ، ثمَّ دَفَعَ الحَارِثَ فَأَلْقَاهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا حَتَّى أَلْقَى نَفْسَهُ فِي البَحْرِ (3).
وَفِي هَذَا المَوْقِفِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (4).
أَخْرَجَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ بِسَنَد مُرْسَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرَ، وَلَا أَدْحَرَ (5)،
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب شهود الملائكة بدرًا - رقم الحديث (3992).
(2)
النُّكُوصُ: الرُّجوع إلى الوراء، وهو القَهْقَرى. انظر النهاية (5/ 101).
(3)
انظر دلائل النبوة للبيهقي (3/ 79) - سيرة ابن هشام (2/ 274).
(4)
سورة الأنفال آية (48).
(5)
الدَّحْرُ: الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال. انظر النهاية (2/ 97).