الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَشْتَدُّ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: مَالَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ أَكُلُّ هَذَا فَرَقٌ (1) مِنِّي أَنْ أُشَاتِمَهُ؟
وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ، صَوْتُ ضَمْضَمِ بنِ عَمْرٍو الغِفَارِيٍّ وَهُوَ يَصْرَخُ بِبَطْنِ الوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ جَدَعَ أَنْفَ بَعِيرِهِ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ في أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ، قَالَ العَبَّاسُ: فَشَغَلَنِي أَبُو جَهْلٍ عَنْهُ، وَشَغَلَهُ ضَمْضَم عَنِّي مَا جَاءَ مِنَ الأَمْرِ، وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أشَدَّ الفَزَعِ، وَأَشْفَقُوا مِنْ قِبَلِ رُؤْيَا عَاتِكَةَ (2).
*
اسْتِعْدَادُ قُرَيْشٍ لِقِتَالِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم
-:
فتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَقَالُوا: أَيَظُنُّ مُحَمَّد وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ (3)؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَيَعْلَمَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فنَفَرُوا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ (4) وَذَلُولٍ (5)، وكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إِمَّا خَارج وَإِمَّا بَاعِثٌ مَكَانَهُ رَجُلًا، وَأَوْعَبَتْ قُرَيْشٌ (6)، فَلَمْ
(1) الفَرَق بالتحريك: الخَوْف والفَزَع. انظر النهاية (3/ 392).
(2)
أخرج حديث رؤيا عاتكة: الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي - باب رؤيا عاتكة - رقم الحديث (4353) - والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 29) - وابن إسحاق في السيرة (2/ 219) بأسانيد ضعيفة، ولكن تتقوى بكثرة الروايات، فيرتفع الحديث إلى درجة الحسن لغيره.
(3)
عِيرُ ابن الحضرمي: هي العِيرُ التي أدرَكَها عبد اللَّه بن جحش رضي الله عنه في سرية نَخْلَة، وقتل فيها عمرو بن الحضرمي، وأخذ كل ما فيها.
(4)
الصَّعبُ من الدَّوَابِّ: عكس الذَّلُول. انظر لسان العرب (7/ 340).
(5)
الدابة الذَّلُول: هي اللَّيِّنَةُ والسَّهْلة، وهو ضد الصُّعُوبة. انظر لسان العرب (5/ 55).
(6)
أوْعَبَ القومُ: إذا خرجُوا كلهم إلى الغَزْو. انظر لسان العرب (15/ 340).
يَتَخَلَّفْ مِنْ أشْرَافِهَا أَحَدٌ، إِلَّا أَبُو لَهَبِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، تَخَلَّفَ وبَعَثَ مَكَانَهُ العَاصِي بنَ هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ لَاطَ (1) لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، أَفْلَسَ بِهَا، فَاسْتَأْجَرَهُ بِهَا عَلَى أَنْ يُجْزِيَ عَنْهُ بَعْثَهُ، فَخَرَجَ عَنْهُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو لَهَبٍ.
وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَتْرُكُوا كَارِهًا لِلْخُرُوجِ، وَلَا مُسْلِمًا يَعْلَمُونَ إسْلَامَهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا مَنْ لَا يتَّهِمُونَ، إِلَّا أخْرَجُوهُ مَعَهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ أُخْرِجَ كُرْهًا العَبَّاسُ بنُ عَبِدْ المُطَّلِبِ، ونَوْفَلُ بنُ الحَارِثِ، وَطَالِبٌ وَعَقِيل ابْنَا أَبِي طَالِبٍ.
وَأَرَادَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ القُعُودَ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا (2) ثَقِيلًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ، بِمِجْمَرَةٍ (3) فِيهَا نَارٌ وَمُجْمَرٍ (4) حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَيَّةُ! اسْتَجْمِرْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم أُمَيَّةُ: قبَّحَكَ اللَّهُ وَقبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ (5).
(1) لَاطَ له: أي أرْبَى له. قال أبو عبيد: وسُمي الرِّبا لِيَاطًا؛ لأنه ملصَقٌ بالبيعِ وليسَ ببيعٍ، وقيل: لأنه لاصقٌ بصاحبهِ لا يقضِيهِ ولا يُوضعُ عنه. انظر الرَّوْض الأُنُف (3/ 51).
(2)
جَلِيل: أي مُسِنّ. انظر النهاية (1/ 278).
(3)
المِجْمَر بكسر الميم: هو الذي يُوضع فيه النار للبخور. انظر النهاية (1/ 283).
(4)
المُجْمَر بضم الميم: هو الذي يُتبَخَّر به وأُعِدّ له الجَمْرُ -وهو البخُور-. انظر النهاية (1/ 283).
(5)
هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (2/ 222): أن الذي حَثَّ أمية على الخروج هو عقبة بن أبي معيط، وفي رواية البخاري في صحيحه - رقم الحديث (3950) - أن أبا جهل =