الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَضِيقِ، ثُمَّ انْصَبَّ (1) مِنْهُ، حَتَّى قَرُبَ مِنَ الصَّفْرَاءِ، وَهُنَالِكَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَسْبَسَة بنَ عَمْرٍو الجُهَنِيَّ، وعَدِيَّ بنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ رضي الله عنهما إِلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ أخْبَارَ العِيرِ (2).
*
رَفْضُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم الاسْتِعَانَةَ بِمُشْرِكٍ:
وَفِي الطَّرِيقِ وعِنْدَ حَرَّةِ الوَبْرَةِ (3) أَدْرَكَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم رَجَلٌ مُشْرِكٌ يَطْلُبُ اتِّبِاعَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الوَبْرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ (4) وَنَجْدَهٌ (5)، فَفَرِحَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: جِئْتُ لِأَتْبَعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ".
قَالَ: لَا.
قَالَ: "فَارْجعْ، فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ".
(1) انصَبَّ منه: أي مضى فيه منحَدِرًا ودَافِعًا. انظر النهاية (3/ 4).
(2)
ذكرنا فيما تقدم أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أرسل بَسْبَسة بن عمرو رضي الله عنه، وعدي بن أبي الزّغباء رضي الله عنه قبل أن يخرج من المدينة، فلما رَجَعا أخبراه بخبر العير، فاستنفَرَ رَسُولُ اللَّهِ الناس إليها، فيكون صلى الله عليه وسلم بعثهما مرتين، مرة قبل الخروج من المدينة، وهذه المرة الثانية. انظر البداية والنهاية (3/ 277) - وسيرة ابن هشام (2/ 225).
(3)
حرَّة الوَبْرَة: موضعٌ من ناحية المدينة. انظر النهاية (5/ 127).
(4)
الجُرْأة: الإقدام على الشيء. انظر النهاية (1/ 246).
(5)
النَّجْدَة: الشدَّة. انظر النهاية (5/ 16).
قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ:"فَارْجعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ".
قَالَتْ: ثُمَّ رَجَعَ، فَأَدْرَكَهُ بِالبَيْدَاءِ (1)، فَقَالَ لَهُ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أوَّلَ مَرَّةٍ:"تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ".
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ له الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: "فَانْطَلِقْ"(2).
قَالَ الحَازِمِيُّ "في الِاعْتِبَارِ" بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الحَدِيثَ: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في هَذَا البَابِ، فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى مَنْعِ الِاسْتِعَانَةِ بِالمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، وتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، وَقَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَا يُعَارِضُهُ لَا يُوَازِيهِ في الصِّحَّةِ والثُّبُوتِ، فتَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ بِهَذَا.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَغْزُوا مَعَهُ وَيَسْتَعِينَ بِهِمْ، وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ في المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، وَتَدْعُو الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُوُنوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، وَلَا يُخْشَى ثَائِرَتُهُمْ، فَمَتَى فُقِدَ هَذَانِ
(1) البَيْداء: موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (1/ 168).
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر - رقم الحديث (1817) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (25158) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (2573).