الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ: مُحَمَّدٌ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ (1) عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، فِيهِمْ مِنَ الحَنَقِ (2) عَلَيْكُمْ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَيْحَكَ مَا تَقُولُ؟ .
قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى ترَى نَوَاصِيَ الخَيْلِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ.
*
رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ بِجَيْشِهِ إِلَى مَكَّةَ:
فَخَافَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ فَأَسْرَعُوا إِلَى مَكَّةَ، وَعِنْدَ انْصِرَافِهِمْ مَرَّ بِأَبِي سُفْيَانَ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ، قَالَ: وَلِمَ؟
قَالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ (3)، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُبلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدا رِسَالَةً أُرْسِلُكُمْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأُحَمِّلُ لَكُمْ إِبِلَكُمْ غَدًا زَبِيبًا (4) بِعُكَاظَ (5)، إِذَا وَافَيْتُمُوهَا؟ قَالُو: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ، فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ.
(1) يتحرَّقُون: أي يتلهَّبُون. انظر لسان العرب (3/ 132).
(2)
الحَنَقُ: الغَيْظُ. انظر النهاية (1/ 434).
(3)
المِيرَةُ: الطعَامُ ونحَوه، مما يُجْلَبُ للبيع. انظر النهاية (4/ 323).
(4)
الزَّبِيبُ: هو العِنَبُ المُجَفَّف. انظر لسان العرب (6/ 8).
(5)
عُكَاظ: موضعٌ بقربِ مكةَ، كانت تُقامُ به في الجاهلية سوق يقيمون فيه أيامًا. انظر النهاية (3/ 257).
فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالذِي قَالَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكيلُ".
وَفِي هَذَا المَوْقِفِ نَزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (1).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَيعْمَ الوَكِيلُ قَالَهَا: إِبْرَاهِيمُ عليه السلام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا:{إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (2).
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءَ عَادَ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدِ اسْتَرَدَّ المُسْلِمُونَ الكَثِيرَ مِنْ هَيْبَتِهِمْ، بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَتَزَعْزَعُ بِسَبَبِ غَزْوَةِ أُحُدٍ (3).
(1) سورة آل عمران آية (172 - 173).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب الذين قال لهم الناس - رقم الحديث (4563).
(3)
انظر تفاصيل غزوة حمراء الأسد في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (2/ 274) - دلائل النبوة للبيهقي (3/ 312 - 318) - سبل الهدى والرشاد (4/ 308) - البداية والنهاية =