الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (1).
فَأَيْنَ مَا أَرَادَتْهُ العُصْبَةُ المُسْلِمَةُ لِنَفْسِهَا مِمَّا أرَادَهُ اللَّهُ لَهَا؟ لَقَدْ كَانَتْ تَمْضِي -لَوْ كَانَتْ لَهُمْ غَيْرُ ذَاتِ الشَّوْكَةِ- قِصَّةَ غَنِيمَةٍ. . . قِصَّةَ قَوْمٍ أغَارُوا عَلَى قَافِلَةٍ فَغَنِمُوهَا! فَأَمَّا بَدْرٌ فَقَدْ مَضَتْ في التَّارِيخِ كُلِّهِ قِصَّةَ عَقِيدَةٍ. . . قِصَّةَ نَصْرٍ حَاسِمٍ وَفَرْقًا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ. . . قِصَّةَ انْتِصَارِ الحَقِّ عَلَى أَعْدَائِهِ المُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ، المُزَوَّدِينَ بِكُلِّ زَادٍ، وَأَهْلُ الحَقِّ في قِلَّةٍ مِنَ العَدَدِ، وضَعْفٍ في الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. . . قِصَّةُ انْتِصَارِ القُلُوبِ حِينَ تَتَّصِلُ بِاللَّهِ، وَحِينَ تَتَخَلَّصُ مِنْ ضَعْفِهَا الذَّاتِيِّ، بَلْ قِصَّةُ انْتِصَارِ حَفْنَةٍ مِنَ القُلُوبِ بَيْنَهَا الكَارِهُونَ لِلْقِتَالِ! وَلَكِنَّهَا بِبَقِيَّتِهَا الثَّابِتَةِ المُسْتَعْلِيَةِ عَلَى الوَاقِعِ المَادِّيِّ، وَبِيَقِينِهَا في حَقِيقَةِ القُوَى وَصِحَّةِ مَوَازِينِهَا، قَدِ انتصَرَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَانتصَرَتْ عَلَى مَنْ فِيهَا، وَخَاضَتِ المَعْرَكَةَ وَالكِفَّةُ رَاجِحَةٌ رُجْحَانًا ظَاهِرًا في جَانِبِ البَاطِلِ، فَقَلَبَتْ بِيَقِيِنهَا مِيزَانَ الظَّاهِرِ، فَإِذَا الحَقُّ رَاجِحٌ غَالِبٌ (2).
*
قَادَةُ الصَّحَابَةِ يَتَكَلَّمُونَ:
فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكَلَّمَ قَادَةُ المُهَاجِرِينَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، فَقَالَ وَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّهَا قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا،
(1) سورة الأنفال آية (5 - 7).
(2)
انظر في ظلال القرآن (3/ 1482).
وَاللَّهِ مَا ذَلَّتْ مُنْذُ عَزَّتْ، وَلَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ، وَاللَّهِ لَتُقَاتِلَنَّكَ، فتَأَهَّبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، وَأَعِدَّ لَهُ عُدَّتَهُ (1).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ". فَقَامَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو رضي الله عنه، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بنِ عَمْرٍو مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ (2) بِهِ، قَالَ المِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، فنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بِرْكِ الغُمَادِ (3) لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ (4).
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ في الصَّحِيحِ قَالَ المِقْدَادُ رضي الله عنه: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ
(1) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (13296) - وانظر دلائل النبوة للبيهقي (3/ 107) - سيرة ابن هشام (2/ 227).
(2)
قال الحافظ في الفتح (8/ 13): والمرادُ المُبالغة في عَظَمة ذلك المشهد، وأنه لو خُيِّر بين أن يكون صاحبه وبين أن يحصُلَ له ما يقابل ذلك كَائِنًا ما كان لكان حصوله له أحب إليه.
(3)
بِرْكُ الغُمَادِ: بفتح الباء وتكسر، وتُضم الغين وتُكسر: وهو اسم موضعٍ باليَمَن، وقيل هو موضع وراء مكة بخمس ليال. انظر النهاية (1/ 121).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} - رقم الحديث (3952) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} - رقم الحديث (4609) وابن إسحاق في السيرة (2/ 227).
قَوْمُ مُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَخَلْفَكَ (1).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ المِقْدَادُ رضي الله عنه: يَا اللَّهِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا البَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا (2)، وَلَوْ أمَرتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا (3) إِلَى بِرْكِ الغُمَادِ فَعَلْنَا، فَشَأْنُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (4).
يَقُولُ ابنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ قَوْلُ المِقْدَادِ (5).
ثُمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ"، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الأَنْصَارَ (6)، فَفَهِمَتِ الأَنْصَارُ أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ، فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ رضي الله عنه سَيِّدُ الأَنْصَارِ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} - رقم الحديث (3952).
(2)
أصل الخَوْض: المشي في الماءِ وتحريكه. انظر النهاية (2/ 83).
(3)
يُقال: فلان تُضرَب إليه أكْبَادُ الإبل: أي يُرحَلُ إليه. انظر لسان العرب (12/ 12).
(4)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (13296).
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} - رقم الحديث (3952).
(6)
قَالَ ابن إسحاق في السيرة (2/ 227): وذلك لأن الأنصار كانوا عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رَسُول اللَّهِ إنا برآءُ من ذِمَامِكَ حتى تصلَ إلى ديارنا، فإذا وصلتَ إلينا فأنت في ذِمَّتِنَا نمنعُكَ مما نمنع منه أبناءنا ونِسَاءنا، فكان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يتخَوَّف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نَصْرَه إلا مِمَّن دَهَمَهُ -أي غَشِيَهم- بالمدينة من عدُوِّه، وأن ليس عليهم أن يَسِير بهم إلى عدو من بلادهم.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ صلى الله عليه وسلم: "أَجَلْ"، فَقَالَ سَعْدٌ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ، صُدُقٌ في اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُرِيَكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ (1).
فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِ سَعْدٍ رضي الله عنه، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ:"سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ عز وجل، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الآنَ أنْظُرُ إِلَى مَصَارع القَوْمِ"(2).
(1) انظر سيرة ابن هشام (2/ 227). ووقع في صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (1779) - أن المتكلم نِيابة عن الأنصار هو سعد بن عبادة صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في شهوده بدر كما تقدم.
قال الحافظ في الفتح (8/ 14): ويمكِنُ الجَمْع بأن النبي صلى الله عليه وسلم استَشَارهم في غزور بدرٍ مرتين: الأولى وهو بالمدينة أول ما بلغَهُ خبَرُ العِيرِ مع أبي سفيان، وذلك بيِّنٌ في رواية مسلم، ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم شاوَرَ حين بلغه إقبال أبي سفيان، والثانية كانت بعد أن خرج.
(2)
أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (2/ 227) وإسناده صحيح.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 278): هكذا رواه ابن إسحاق، وله شواهد كثيرة.