الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَقْضِ الصَّحِيفَةِ التِي كَتَبَتهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ حَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ (1).
وَقَدْ مَاتَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ وَالِدُ جُبَيْرٍ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِنَحْوِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى كُفْرِهِ (2).
وَأَسْلَمَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وَالفَتْحِ، وَقِيلَ أَسْلَمَ فِي الفَتْحِ (3).
*
إِسْلَامُ عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ رضي الله عنه
-:
وَكَانَ له قَدْرٌ وَشرَفٌ فِي قُرَيْشٍ، وَهُوَ ابنُ عَمِّ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ المُشْرِكِينَ كَافِرًا، وَهُوَ الذِي حَرَّشَ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ مِنْ أَبْطَالِ المُشْرِكِينَ وَشَيَاطِينِهِمْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، كَانَ عُمَيْرٌ فِيمَنْ نَجَا، وَأُسِرَ ابْنُهُ وَهْبُ بنُ عُمَيْرٍ يَوْمَئِذٍ، فَجَلَسَ يَوْمًا مَعَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ فِي الحِجْرِ -حِجْرِ إِسْمَاعِيلَ عليه السلام بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِيَسِيرٍ، فتَذَاكَرَ أَصْحَابَ القَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ، فَقَالَ صَفْوَانُ: وَاللَّهِ مَا فِي العَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَيْسَ له عِنْدِي قَضَاءٌ، وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ بَعْدِي، لَرَكِبْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَإِنَّ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةً (4)، ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ، فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ، أَنَا
(1) انظر فتح الباري (8/ 60).
(2)
انظر أسد الغابة (1/ 310).
(3)
انظر الإصابة (1/ 517) - أسد الغابة (1/ 310).
(4)
العِلَّةُ: الحَدَث يَشْغَلُ صاحبه عن حاجته، كأن تلك العِلَّة صارت شُغلًا ثانيًا مَنَعَه عن =
أَقْضِيهِ عَنْكَ، وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ، فَقَالَ له عُمَيْرٌ: فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأنْكَ، قَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ أَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ، فَشُحِذَ (1) لَهُ، وَسُمَّ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَبَيْنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه، فِي نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إِذْ نَظَرَ عُمَرُ رضي الله عنه إِلَى عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ حِينَ أنْاخَ (2) عَلَى بَابِ المَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا (3) السَّيْفَ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: هَذَا الكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ، وَاللَّهِ مَا جَاءَ إِلَّا لِشَرٍّ، وَهُوَ الذِي حَرَّشَ (4) بَيْنَنَا وَحَزَرَنَا (5) لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ رضي الله عنه عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ قَدْ جَاءَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"فَأَدْخِلْهُ عَلَيَّ" فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى أَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ (6) فِي عُنُقِهِ فَلَبَّبَهُ (7) بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الأَنْصَارِ: ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ
= شُغْله الأول. انظر لسان العرب (9/ 367).
(1)
يُقال: شَحَذْت السيف والسكين: إذا حدَدْتُه بالمسن. انظر النهاية (2/ 402).
(2)
أنَاخَ الإبل: أبْرَكَها فبركت. انظر لسان العرب (14/ 312).
(3)
توَشَّحَ الرجلُ بِسَيفه: أي لَبِسَه. انظر لسان العرب (15/ 306).
(4)
حرَّشَ بينهم: أفْسَدَ وأغْرَى بعضهم ببعض. انظر لسان العرب (3/ 123).
(5)
حَزَرَه: قَدَّرَه. انظر لسان العرب (3/ 150).
(6)
حمالة السيف: عِلّاقته. انظر لسان العرب (3/ 334).
(7)
لَبَّبْتُ الرجلَ: إذا جعلتُ في عُنُقِه ثوبًا أو غيره وجَرَرْتُه به. انظر النهاية (4/ 194).
-صلى الله عليه وسلم، وَعُمَرُ رضي الله عنه آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ:"أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، ادْنُ يَا عُمَيْرُ"، فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَنْعِمُوا صَبَاحًا -وَكَانَتْ تَحِيَّةَ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ بَيْنَهُمْ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَكرَمَنَا اللَّهُ بِتَحِيَّةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتكَ يَا عُمَيْرُ، بِالسَّلَامِ، تَحِيَّةِ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ بِهَا لَحَدِيثَ عَهْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الأَسِيرِ الذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟ " قَالَ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا؟
فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "اصْدُقْنِي، مَا الذِي جِئْتَ لَهُ؟ " قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَلِكَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ فِي الحِجْرِ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ القَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قُلْتَ: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّدًا، فتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ".
فَقَالَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتَ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنَ الوَحْي، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَالحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَسَاقَنِي هَذَا المَسَاقَ، ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، فَفَرِحَ المُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ:"فَقِّهُوا أَخَاكمْ فِي دِينِهِ، وَأَقْرِئُوهُ القُرْآنَ، وأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ"، فَفَعَلُوا.