الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مفسدتها، وكذلك السرقة والغصب لقبح هذه الأبواب في أنفسها، ومما يدل على التفرقة بين أسباب الفسوق وغيرها قوله تعالى:{وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان} (1) فرَّق تعالى بين الكفر والفسوق الذي هو الكبائر، [والعصيان الذي هو الصغائر](2) التي ليست فسوقاً (3) .
حكم رواية الفاسق
ثم الفاسق (4)
إن كان فسقه مظنوناً قُبلتْ روايته بالاتفاق (5) ، وإن كان
(1) الحجرات من الآية: 7.
(2)
ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(3)
انظر لبيان الفرق بين هذه المصطلحات في: الفروق للقرافي 1/120، 4/67، كتاب الفروق لإبي هلال العسكري ص253، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن للأنصاري ص529، التفسير الكبير للرازي 28/107.
(4)
الفسق لغة: الخروج، يقال: فسقت الرُّطبة؛ إذا خرجت عن قشرتها. انظر: لسان العرب، المصباح المنير مادة " فسق ".
واصطلاحاً: الخروج عن طاعة الله عز وجل، وهو أعم من الكفر، فيشمل الكفر ومادونه، ويقع بالقليل من الذنوب والكثير، لكن الفسق عُرِف فيما كان كبيرة. ولهذا قال البيضاوي:"الفاسق: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة" انظر تفسيره: أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/41)، وانظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، مادة " فسق "، عمدة الحفاظ 3/230، روح المعاني للألوسي 1/212، مدارج السالكين لابن القيم (1/359) وفيه تفصيل جيد.
(5)
ممن حكى الاتفاق الرازي في محصوله (4/399) ، وعبَّر الآمدي في الإحكام (2/83) بالأظهر، ومن العلماء من استظهر الخلاف في المسألة كصفي الدين الهندي في: نهاية الوصول 7/2881، وانظر: البحر المحيط للزركشي 6/157. وللمسألة تحرير ألطف، ذكره الآمدي في الإحكام (2/83) ـ بعد أن نعلم أن المُقْدِم على الفسق عامداً عالماً به لا تقبل روايته إجماعاً ـ قال بتصرف: "الفاسق المتأول ـ الذي لا يعلم فسق نفسه ـ لا يخلو إما أن يكون فسفه مظنوناً أو مقطوعاً به، فإن كان مظنوناً كفسق الحنفي إذ شرب النبيذ، فالأظهر قبول روايته وشهادته. وإن كان فسقه مقطوعاً به فإما أن يكون ممن يتديّن بالكذب كالخطابية فلا نعرف خلافاً في ردّ روايته وشهادته، أو لا يكون ممن يرى الكذب كفسق الخوارج الذين يستبيحون الدار وقتل النساء والأطفال، فهو موضع خلاف، مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء والأصوليين قبول روايته وشهادته، ومذهب الباقلاني والجبائيين وجماعة من الأصوليين امتناع قبول روايتهم وشهادتهم وهو المختار". وانظر أيضاً: المعتمد 1/134، إحكام الفصول ص377، المستصفى 1 / 299.
مقطوعاً به قبل الشافعي
رواية أرباب الأهواء إلا الخَطَّابِيَّة (1) من الرافضة لتجويزهم الكذب لموافقة مذهبهم (2) ، ومنع القاضي أبوبكر من قبولها (3) . واختلف العلماء في شارب النبيذ من غير سُكْر (4) ، فقال الشافعي أحُدُّه وأقْبَلُ شهادته (5)
بناءً على أن فِسْقه مظنونٌ وقال مالك: أحُدُّه ولا أقْبَلُ شهادته (6) ، كأنه قطع بفسقه.
الشرح
معنى (7)((الفسق المظنون الذي تقبل معه الرواية)) : أن يكون هو يعتقد أنه على (8)
(1) الخَطَّابِيَّة: طائفة من غلاة الرافضة، أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع، الأسدي مولاهم، زعم أن الألوهية حلَّت في جعفر الصادق وفي آبائه من قبل، واستباح مع اتباعه ما حرَّم الله، وزعموا أن الجبت والطاغوت هما أبوبكر وعمر وأن البقرة هي عائشة عليهم لعنة الله وسخطه. تبرأ منهم جعفر وحاربهم، وقتله والي الكوفة آنذاك من العباسيين سنة 143هـ، وكانت دعوته سبباً في نشأة الإسماعيلية الباطنية. اقرأ عن هذه الفرقة في: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي ص172، عقائد الثلاث والسبعين فرقة لأبي محمد اليمني 1/461، الملل والنحل للشهرستاني 1/210، موسوعة الفرق الإسلامية لمحمد جواد مشكور ص234.
(2)
انظر نص الشافعي في قبول رواية أهل الأهواء إلا من يستحل الكذب في: الأم 6/205، السنن الكبرى للبيهقي 10/208، حلية الأولياء للأصفهاني 9/114، الكفاية في علم الرواية ص 120، 126.
(3)
انظر: المحصول للرازي 4/401، الإحكام للآمدي 2/83، ظفر الأماني ص490.
(4)
انظر نزاع العلماء في شارب النبيذ، هل يُعدُّ فاسقاً أصلاً، وهل فسقه مظنون أم مقطوع؟ في: شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/62، البحر المحيط للزركشي 6/158، شرح الكوكب المنير 2/408، تيسير التحرير 3/43. ثم انظر خلافهم في حكم شارب النبيذ في: تحفة الفقهاء للمسرقندي 3/325 الحاوي للماوردي 13/387، بداية المجتهد 4/174، المغني لابن قدامة 12/513، الذخيرة للقرافي 4/117، البناية في شرح الهداية للعيني 11/434، حاشية البيجوري 2/245.
(5)
انظر قوله في: الأم 8/310، السنن الكبرى للبيهقي 10/210..
(6)
انظر: المدونة 4/410، الكافي لابن عبد البر ص 2 / 896، نفائس الأصول 7/2961، جواهر الأكليل 2/235. قال يحيى الرهوني "قال بعض أصحابنا: إن ذلك منه ـ أي الإمام مالك ـ بناءً على أنه فاسق قطعاً، والظاهر أنه فاسق ظناً عنده، لكن لم يبعّض الحكم كما فعل الشافعي" ثم نقل قولاً آخر عند مالك أنه لا يُحدُّ وتقبل شهادته وقال: صححه جمع من متأخري المالكية. انظر كلامه في: تحفة المسؤول القسم 2 / 585. وانظر: حاشية محمد الرهوني على شرح الزرقاني 8/155، التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص (312) وفيه تفصيل جيد.
(7)
هنا زيادة: ((قولي)) في ن.
(8)
ساقطة من س.
صواب لمستندٍ حصل له، ونحن نظن بطلان ذلك المستند (1) ولا نقطع ببطلانه، فهو في حكم الفاسق لولا ذلك المستند، أما لو ظننا فسقه ببيِّنةٍ شَهِدتْ بارتكابه أسبابَ الفسوق فليس هو (2) من هذا القبيل، بل تُردُّ روايته.
ومعنى ((أن أرباب الأهواء مقطوع بفسقهم)) أي: خالفوا قطعياً (3) ، وهم يعتقدون أنهم على صواب. والقسم الأول خالف ظناً فقط.
حجة الشافعي (4) : أنه من أهل القبلة فنقبل (5) روايتهم كما نورِّثهم ونَرِثهم ونُجْرِي (6) عليهم أحكام الإسلام.
حجة القاضي: أن مخالفتهم القواطع (7) تقتضي القطع بفسقهم، فيندرجون في قوله تعالى:{إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} (8) . ولأن قبول (9) روايتهم ترويج (10) لبدعتهم فيحرم (11) .
وأما شارب النبيذ (12) : فالأمر فيه مبني على قاعدتين؛ إحداهما: أن الزواجر تعتمد المفاسد ودرأها لا حصول العصيان (13) ، ولذلك (14) نؤلم (15) الصبيان والبهائم
(1) ساقطة من ق.
(2)
ساقطة من س.
(3)
في ن، س:((قطعاً)) .
(4)
قبول رواية أهل الأهواء الذين لا يجوزّن الكذب.
(5)
في ق: ((فتقبل)) .
(6)
في ق، س:((تجري)) .
(7)
في ق: ((للقواطع)) ، وفي ن:((لقواطع)) والمثبت هنا من سائر النسخ.
(8)
الحجرات من الآية: 6.
(9)
ساقطة من ن.
(10)
في ن: ((تدريج)) وهو تحريف.
(11)
في ق، س:((فتحرم)) وهو متجه أيضاً، والمثبت من باقي النسخ.
(12)
في س: ((الخمر)) وهو شذوذ عن جميع النسخ، وأين الخمر من النبيذ؟!
(13)
أي: التأديب والزجر كان بسبب المفاسد الناجمة عن المعصية كإتلاف العقل، لا لمجرد المعصية، فإنه يظنها مباحة. انظر كلاماً للمصنف عن هذه القاعدة في: الفروق 4 / 180.
(14)
في ق: ((فلذلك)) ، وفي س:((فكذلك)) .
(15)
في ن: ((يؤلم)) ، وفي ق:((تؤلم)) .
استصلاحاً لهم وإن لم يكونوا عصاة، فكذلك (1) يقام الحدُّ على الحنفى لدرء (2) مفسدة السُّكْر وفساد العقل والتسبب له وإن لم يكن عاصياً لتقليده أبا حنيفة، فهذه القاعدة هي الموجبة لحدِّه وقبول (3) شهادته، ولا تَنَاقُض حينئذٍ [لأن الزواجرَ](4) لدرء المفسدة، وقبولَ الشهادة لعدم المعصية (5) .
ويَرِدُ على الشافعي في هذه القاعدة (6) أنها وإن كانت صحيحة غير أنَّا لم نجدها إلا في (7) الزواجر التي ليست محدودة (8) ، أما المحدودة (9) فما عهدناها في الشرع إلا في المعاصي (10) .
القاعدة الثانية: وهي أن قضاء القاضي يُنْقَض (11) إذا خالف أحد أربعة أشياء: الإجماع أو النص الجلي (12) أو القياس الجلي أو القواعد (13) .
(1) في ن: ((فلذلك)) .
(2)
في س: ((لأن)) وهي غير موفية بالمراد.
(3)
هنا زيادة: ((العقل والتسبب له)) وهي مقحمة لا معنى لها.
(4)
في س: ((لأن الزجر)) ؛ وفي ن: ((إنما الموجب)) .
(5)
وبمثله وجَّه الزركشي كلام الشافعي. انظر: البحر المحيط (6/158) . وفي هذا التوجيه حَلٌّ لإشكالٍ أورده المزني على الشافعي: كيف يحدُّ من شرب قليلا من نبيذٍ شديدٍ ويجيز شهادته. انظر: مختصر المزني بآخر الأم 8 /310.
(6)
في ن: ((المسألة)) .
(7)
هنا زيادة: ((هذه)) في ق.
(8)
محدودة: أي لا حدٌّ فيها.
(9)
في س ((المحدود)) وهو خطأ.
(10)
عبارة المصنف في نفائس الأصول (7/2961) أوضح إذ يقول: "غير أنه يرد عليه ـ أي الشافعي ـ أن التأديب المعهود في الشرع للاستصلاح مع عدم الذنب غير محدود بعدد، وما عهدنا في الشرع حدّاً على مباح، وهذا حدٌّ عنده، فيتعيّن إما أن لا يَحُدَّه أو يُعصِّيه (أي يؤثّمه) ويحُدّه، كما قال مالك" أحدُّ وأردُّ شهادته".
(11)
ساقطة من ق.
(12)
ساقطة من س، ن.
(13)
تفنن المصنف في توضيح هذه القاعدة ومُثُلِها في كتابه البديع النفيسي: "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام" ص88، 135. وانظر أيضاً: الفروق 2 / 101، 109، 4 / 40، نفائس الأصول 7 / 2961، الحاوي للماوردي 16/172، بدائع الصنائع للكاساني 9/133، المغني لابن قدامة 14/34، الذخيرة للقرافي 10/133، 139، تبصرة الحكام لابن فرحون 1/64، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص150، 161.
[فمتى خالف إحدى (1) ](2) هذه (3) الأربعة قضاءُ قاضٍ لا لمعارض له (4) في القياس أو النص أو القواعد نُقَض، هذا هو (5) مدار الفتاوى في المذاهب (6) المعمول بها، وإذا كنا لا نقرِّه شرعاً مع تأكده بقضاء القاضي وبنقضه، فأولى أن لا نقره شرعاً إن لم يتأكد، وإذا لم نقِّره شرعاً لم يجز التقليد فيه، ويكون الناطق به من المجتهدين كأنه ساكت لم يقل شيئاً، والمقلد لذلك المجتهد كأنه لم يقلد أحداً، ومن (7) لم يكن مقلداً في شرب النبيذ كان عاصياً، والعاصي بمثل هذه الفِعْلة يكون فاسقاً؛ فلهذه القاعدة قال مالك: أحُدُّه للمعصية، وأردُّ شهادته لفسقه (8) ، وهو أوجه في النظر من قول الشافعي، لما تقدم من الإشكال على قول الشافعي، ومسألة النبيذ خولف فيها النصوص كقوله عليه السلام:"كل مسكر خمر وكل خمر حرام"(9) ونحوه (10) ،
وهو كثير في السنة، والقياس الجلي على الخمر، والقواعد من جهة أن القاعدة سد الذريعة في صون العقول لانعقاد الاجماع على تحريم النقطة من الخمر وإن كانت لا تُسْكِر سداً [لذريعة الإسكار](11) .
(1) في ن، س:((أحد)) والمثبت من ق، وهو الصواب لأن "إحدى" تجرى على القياس.
(2)
ما بين المعقوفين ساقط في ق.
(3)
هنا زيادة: ((القواعد)) في س ولا حاجة لها.
(4)
ساقطة من ق، س.
(5)
ساقطة من ن.
(6)
في س، ن، ق:((المذهب)) والمثبت من بقية النسخ وهو الصحيح، لأن مرجع الضمير في قوله بعد ذلك:((المعمول بها)) إلى المذاهب.
(7)
ساقطة من ق.
(8)
ساقطة من ن.
(9)
رواه مسلم في كتاب الأشربة برقم عام (2003) وخاص (75) عن ابن عمر رضي الله عنهما. ومن الأحاديث التي بنحوه قوله صلى الله عليه وسلم "كل شراب أسكر فهو حرام" رواه البخاري (5585) ، ومسلم (2001) ، وحديث "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أبوداود (3681) ، والترمذي (1865) ، وابن ماجة (3393) وصححه الألباني في إرواء الغليل 8/42.
(10)
ساقطة من ق..
(11)
في ق: ((للذريعة في الإسكار)) .